هل يوجد ما يسمى بفقه العمران؟
يا ديني .. أنا زهقت من السؤال ده
عود على بدء ..
كنت قد كتبت فيما كتبت مقالتين عن العمارة الإسلامية التي انطبعت في نفسي، وأردتها انطباعات قبل أن أنخرط بكليتي في ورشة “عمارة من أجل الإنسان” كي أرصد أفكاري الأشذاذ في غير انتظام قبل أن أشدها بمزيد تدبر.
وكان خلاصة أفكاري -السلبية جدًا بطبيعة الحال- تتعلق في الأساس بشيئين أولهما هو كون العمارة الإسلامية هي الترجمة الضحلة لثقافة Genius Loci الألمانية، والتي في رأيي، ليست إلا خرافة تطبع المدن المسلمة من أقصى إلى أقصى بلا ضبط.
وثاني الأفكار كان يتعلق بالجذور الاستشراقية لهذه الثقافة، استشراق هو لكنه ليس استشراق المستعمر الغاصب المحتقر بقدر ما هو استشراق المحب الوله الرومانسي. وكيف أن فقه العمران هو بطبيعة الحال محاولة لإضفاء هالة من التقديس على ما قد أنتجته المعرفة الإسلامية لقرون من خلال المفاوضات الدقيقة micro-negotiations وإن لبست لبوس الفقه. لا لبوسه من جهة كونه علم بأحكام الله الشرعية المنزلة، ولكن لبوسه من جهة كونه النسق المركزي للحكم في الحضارة الإسلامية، وشكل التفاوض الاجتماعي بين السلطة وعلماء الدين والمواطنين.
واليوم -وقد أتممت الورشة- أجدني معيدًا زيارة قناعاتي تلك بشيء من النقد الذاتي، مبينًا عن شيء أو أكثر قد بدا لي في رحلتي مع القراءة في العمارة الإسلامية، وأعني بالقراءة هنا معنيين، واحدهما القراءة في الكتب المعقودة في هذا الفن، وثانيهما القراءة في ما يصفه تميم البرغوثي في بردته بقولته “كتب في الأرض كن كدى” وهو الآثار الإسلامية التي تزخر بها القاهرة الإسلامية، من خلال جولات عدة قد خضتها مع صديقي وأستاذي عمر النعماني.
وهنا، أكتب طرفًا مما رصدته في الحالتين، لأكون قد سجلت أفكاري من زاويتي النظر، الانطباعية الأولية الضيقة، والمعرفية المغذاة الجديدة. وكما سيرى القارئ الكريم فالأمر لن يتعلق بتغير النظرة أو تراجع فيها بقدر ما يتعلق بإثرائها من زوايا نظر جديدة.
فقه العمران الإسلامي
خيض الجدل حول هذه التسمية وهذا الملف كثيرًا وتجاذبه الناس من هنا وهناك -لحد ما اتمزق- ما بين من يراه شاخصًا في كل تفصيلة من تفاصيل المعمار حتى جعلوا من أعداد أضلاع الرسومات رسالة ومقصد، وبين منكر جاحد وجوده أصلًا ورامي له بالاستعمار. تمام؟ تمام.
ما أتحدث عنه هنا هو ظاهرة أرصدها، وهي جديرة بالنظر من وجه ما، ظاهرة أكبر من مجرد الهياكل القانونية أو الأخلاقية أو حتى الدينية التي تساهم في تشكيل البيئة الحضارية في العالم الإسلامي، وتنظر إلى المدينة ذاتها ككيان معرفي، أو كما يصفها داودؤغلو بمدينة-ذات Subject-City.
بمعنى آخر، تخيل أن تستيقظ يومًا ما فلا تجد في القاهرة الإسلامية أحدًا سواك، وتتجول في شوارعها وتمر على أسبلتها وخانقاوتها دون صوت التكاتك المزعج أو حتى الكلاب الضالة في الشوارع. فقط أنت وشوارع متعرجة تضيق وتتسع، ومجموعة من المباني الأثرية. أيعكس هذا التخطيط قيمًا دينية واجتماعية؟ وهل ثمة ما يشيير لك -إن كنت تجهل الآثار المميزة للمدينة- أن هذه القاهرة وليست اسطنبول أو دمشق أو بغداد أو نجع السنجق؟
كيف رأى جميل أكبر العمران؟
كتب د. جميل عبد القادر أكبر ورقته البحثية “خط وهيكل الأملاك في المدن الإسلامية المبكرة” ونشرها في عام 1990 في مجلة مقرنس -عارف إنها بالصاد والله بس المجلة اسمها بالسين- -و”خط” هنا هي فعل ماضٍ يشير للفظ المؤرخين الذين يصفون تأسيس المدن بأن يقولوا خط فلان مدينة كذا- ثم طور الورقة إلى كتابه الأشهر “عمارة الأرض في الإسلام” بعدها بعامين ونشره في بيروت. ويعد عمله من أبرز الأعمال المستشهد بها في هذا الحقل.
يشير أكبر إلى أنها كانت دومًا مسئولية السلطة الحاكمة في بناء المدينة أن تؤسس المسجد الجامع في مركز المدينة، وأن تحدد -تخط- المباني الحكومية، والمخازن، والسوق، ومتطلبات الدفاع من بوابات وتخصينات. وفي المدن الحديثة تزداد مهمة السلطة مهمة بأن تقطع كل قبيلة أو عرق أو عائلة ممتدة مكانًا من إقطاع المدينة، على أن يكون مسئولية قسمة الإقطاعات التالية والتالية مسندة لشيخ القبيلة أو ممثليها -وليست للحاكم. ولأرباب البيوت أن يصمموا وينظموا منازلهم داخل إقطاع كل منهم.
وبطبيعة الحال فالجميع يحكمهم قواعد فقهية حاكمة من لدن (لا ضرر ولا ضرار - الأمور بمقاصدها - اليقين لا يزول بالشك - ..) ويحكم ذلك حزمة من المبادئ الأصلية كـ (حرية التصرف فيما هو مباح - احترام الأقدمية في الجيرة بألا يضار الجار الأقدم - للجار أن يستغل جدار دار جاره إن ضمن ألا يضره حين يرفع بنائه - ..).
كما أنه كما يعلق كثير من المثقفين أن معالم العمارة التي توصف بأنها إسلامية (المقرنسات - الأبلاق - الفناء الداخلي - المقعد - الملقف - المشربية - ..) بل وحتى بعض الخصوصيات المسجدية كالقبة والمئذنة والمحراب والمنبر هي اختراعات من حضارات سابقة على الإسلام استفادها الإسلام من البيئات المحلية التي سبقت الإسلام في حضارات آسيا الفارسية في العراق وفارس والرومانية في الشام.
بالمناسبة .. صورة المقرنصات في أول المقالة من “كنيسة” كابيلا بالاتينا في باليرمو .. ابلع ينرم
والحق أني كما سبق أن بينت أرى أن هذه القواعد ليست حاملة للإسلام بصفته الإلهية بقدر ما تحمل الميراث الحضاري الإسلامي البشري من خلال التفاوضات الفقهية المتبادلة اجتماعيًا بطبيعة الحال. كما أني والحق يقال لا أرتاح لطبيعة أناركية أتلمسها في كتابات د. جميل أكبر سواءً في أنماط اكتسابه المعرفة عن تراث المسلمين أو طريقته في تفسيرها جميعًا لصالح مجتمع حر ممكن وسلطة مقيدة.
فقه العمران العلماني
ولكن الجديد الذي داخل أفكاري اليوم لم يأت من جهة جميل أكبر، ولا حتى من جهة أي مفكر إسلامي آخر. بل على العكس جائني من رمز من رموز العلمانية المغاربية وهو التونسي هشام جعيط صاحب كتاب “الفتنة الكبرى الأشهر”. في كتابه عن “الكوفة” يصف جعيط بناء الكوفة بوصفها مدينة من مدن الحامية الإسلامية (الأمصار) garrison cities بوصفها إعلان عن وجود جديد للإسلام. يظهر هذا الوجود لا في مركزية المسجد أو السوق أو تخطيط المساكن تخطيطًا يراعي أحكام القضاء الذي اقتضى السياق أن يكون قضاءً فقهيًا، ولكن من “الانتقال من الأخصاص (الأكواخ القصبية) إلى استخدام اللبن والحجر”، أو ما يعني بيه جعيط التحول من حالة “المعسكر الحربي المؤقت” إلى حالة “الدولة المستقرة”.
يرى جعيط أن “الاستعارة” من الحضارات السابقة لا تخل بإسلامية هذه المظاهر المعمارية لاعتبارين واحدهما هو ما في الفراغ من بساطة يتوافق مع الطبيعة العربية، وما في التقنية من استعارات تستغل المهندسين من البيئات المحلية. فالعمارة الإسلامية بالنسبة لجعيط وليدة هذا التفاعل: روح عربية بدوية تميل إلى الفضاء، وأدوات حضارية مستقرة تميل إلى الضخامة.
بالنسبة لجعيط -المفكر العلماني- فإن الحضارة الإسلامية بالأساس كانت حضارة تمدين العرب، وأن الإسلام على المستوى التشريعي الفقهي والسياسي أو على المستوى العقدي الأخلاقي كان دينًا ذا مضامين دينية وسياسية واضحة. أما على مستوى النسق الحضاري والتاريخي هو دين يهدف إلى إخراج بدو الجزيرة من حياة وثقافة البداوة. وأن محض إخراج هؤلاء القبليين من بطون الصحراء وتسكينهم المدن التي يقيمها أصحاب رسول الله كما شهدوا صاحبهم صلى الله عليه وسلم يقيم المدينة، هو هدف إسلامي رفيع. وكل تخلي -تدريجي- عن أخلاق البداوة -الجاهلية- وعمرانها -الأعرابية- ومجالها الصوتي -رفع الأصوات- والبصري -عدم إدامة البناء- هو هدف إسلامي كذلك.
أعاد جعيط تفكيك مفهوم فقه العمران إذن، من خلال توسعته، وسعه حتى أخرجه -وهو العلماني- من خصوصية فقه العمران الإسلامي، ومن جدلية أهو عمران الإسلام أم عمران المسلمين، إلى سعة جعل العمران ذاته فقهًا، والتعمير ذاته إسلامًا .. والحكمة ضالة المؤمن، والمدينة مسكنه.
يتبع ..






