تحت القبة فيلسوف غير متواضع
قراءة في كتاب (المدن المحورية) لأحمد داودؤغلو
أحب داودؤغلو الفيلسوف والمفكر وأبغض داودؤغلو السياسي
كنت قد قرأت مؤخرًا لأحمد داودؤغلو كتابًا ككتب عمرو موسى ومصطفى الفقي بعنوان systemic earthquake يصف فيه كيف أن قوى العالم عليها أن تتحد لمواجهة تيار الشعوبية اليميني بمزيد من الديموقراطية والحلول الوسط والتعاون المشترك ورعاية الاتفاقيات كما فعلت تركيا في عهده ورعت مفاوضات الولايات المتحدة مع إيران ومفاوضات إسرائيل مع سوريا الأسد .. أنعم وأكرم
وعلى الجميع أن ينفتح مع جيرانه الإقليميين ويسعى للتعاون معهم
فلم أجد دولة تطبق ما يدعو إليه داودؤغلو سوى الإمارات
ثم نظرت في معارضاته لإردوغان في البرلمان التركي فوجدته يشن عليه الغارة تلو الغارة بسبب التطبيع الذي ابتدأه هو في فترة رئاسته للوزراء
يكتب داودؤغلو عن المدن المحورية في كتاب كان ليكون أليق بالتسمية بالسياحتنامة يتحدث فيها المفكر عن رؤيته للمدن وعلاقتها بالحضارات (اسم الكتاب الأصلي مدن وحضارات)
يرى رئيس الوزراء السابق ورئيس الحزب المعارض الحالي أن المدينة فلسفة لها ما للفلسفة من أقسام وجود أنطولوجي في بنيتها ومعرفة وقيمة.
والمدن التي يصفها داودؤغلو هي فواعل تاريخية لها قوة دافعة للتاريخ، ولها إدراك ذاتي وهو مصطلح ألماني selbstverständnis. فالمدينة كما يصفها تتعرف على نفسها من خلال علاقتها بالحضارة
فهي إما مدينة أسست الحضارة أو أسستها الحضارة أو هزمت حضارتها حضارة أخرى فاستحالت مدينة أشباح أو اندثرت حضارتها فأصبحت حصيدًا كأن لم تغن بالأمس أو بنتها حضارة امبراطورية لتحاكي مركز الإشعاع الأصلي أو تقع على خط تجارة بين الحضارات أو هي ذاتها حضارة في نفسها وقد اختص بالنوع الأخير معشوقته أستانة-بول والقاهرة والقدس الشريف.
تظهر علاقة المدينة بحضارتها فيما تحمله هذه المدينة من رموز وقيم وعادات لها قوة تنظيم واقع السكان بقانون الأمر الواقع قبل قوانين الحكم
كما تشكل المدن -من جهة علاقتها بتأسيس الحضارة لها أم منها- بنظم إحلال السلام العالمي Pax المهووس بيها داودؤغلو دومًا
بين الباكس رومانا التي قادتها رومية والباكس بريتانيكا التي قادتها لوندرة والباكس أوتومانا التي تقودها الأستانة-بول
يدافع داودؤغلو هنا إذن عن النظام السياسي الإمبريالي بصفته وسيلة حكم للعالم ويبقى على المدينة القائدة للسلام العالمي أن تحدد أخلاقيات القيادة.
وبالطبع يرى الفيلسوف العثماني أكثر من أي شيء آخر أن الأستانة-بول التي جمعت روحانية المدينة وروما في آن واحد الأكثر تأهلًا لحمل الرسالة وأداء الأمانة.
بالتأكيد تغيرت فكرة المدنية في تاريخ الأفكار البشري من المدينة الفاضلة التي دعا لها أفلاطون مرورًا بالمدينة المقدسة التي تكلم عنها القديس أوغسطين انتهاءً بالمدينة العقلانية التي ينافح عنها ماكس فيبر
بالطبع حين يتعلق الأمر بالحضارات التي تؤسس والحضارات التي تتأسس لا يمكن للمرء قراءة النص بمعزل عن رباعي الدورات الحضارية الأشهر في علوم الاجتماع ابن خلدون المسلم وتوينبي البريطاني وماكس فيبر وشبنجلر الألمانيين
وأنا على الحقيقة لست من مقدسي لا المدينة ولا المدنية، فأنا من أنصار تخوم المدن والأرياف وأرى أن الكوكب مهدد بالدمار بسبب التمدن urbanization وقد بلغ عدد سكان العالم في المدن اليوم نسبةً غير مسبوقة من سكان المعمورة 55% ومن المتوقع أن يصل الرقم إلى 70% خلال عقود قلائل
نعم، قال ابن خلدون أن الإنسان مدني بطبعه ودافع عن المدينة. لكنه على الأقل انتصر لأن البدو أو سكان مدن الأطراف هم من يحملون راية التغيير في حين تثقل المدينة (وحضارتها) كاهل ساكنيها وتغريهم دومًا بالركون إلى الدعة والاستقرار
أهمل المؤرخون التقليديون جميعًا وتابعهم داودؤغلو الجنوب العالمي بطبيعة الحال سواءً أفريقيا جنوب الصحراء أو أمريكا الجنوبية
أسقطوها من نموذج المدينة وأنواعها ومن الأحواض الحضارية -وهو مصطلح جميل جدير بالتأمل صكه داودؤغلو للانتواع الثقافي-
نعم حاول أوزوالد شبنجلر المتنبئ الأهم بسقوط الغرب أن يهاجم المدينة بصفتها مكان هو مسرح للدراما أكثر مما هو مشكلًا للحضارة
فالحضارة التي تشيخ ويمضي عليها 10 قرون فأكثر لا تكون مدنها العالمية Megapolis سوى حضارات متيبسة منتفخة مهما بدت بخلاف ذلك
ومن المدن المهمشة في أمريكا اللاتينية يظهر عالم الاجتماع البيروفي حنبعل كويخانو ليشير إلى أن المركزية الأوروبية -التي أزعجت داودؤغلو فاستبدلها بمركزية أوسع قليلًا تشمل العالم القديم فقط وبنظرة لا تخلو من إمبريالية عثمانية-
كويخانو يرى أن المركزية الأوروبية إنما هي في الحقيقة إنتاج للمعرفة الجيوسياسية من خلال طمس الأمكنة غير الأوروبية -وغير الشرق أوسطية في حالة المؤرخ العثماني-
ينسى هؤلاء استخدام اختراع المدينة ذاته من أجل محو ثقافة السكان الأصليين.
ولا ينصرفن ذهنك هنا إلى المايا والأزتيك
بل لعلك تصرفه بوضوح إلى سكان الأحياء المهمشة الذين يتم إخراجهم من الصورة من الفريقين (الحداثي والنيو-تراثي) على حد سواء لجعل المدينة أكثر مثالية وأكثر تكاملًا مع الصورة الذهنية البراقة
مجتمع كامل من المهمشين لا يجد إلا تخطيط الاحتيال insubordinate planning لأخذ حقوقهم من المدينة
في الوقت الذي يهيم فيه عشاق الحداثة بمدن الأقمار الصناعية في الشيخ زايد والتجمع ويهيم محبي التراث عشقًا في أحياء القاهرة القديمة والجمالية هناك في فيصل والطالبية وعين شمس ينمو مجتمع لم يجد مؤرخه قلمًا كأقلام فيبر أو داودؤغلو يصنع نسخته الخاصة -والعملية جدًا- من الحضارة
هذه الأحياء هي وإن لم تكن مدن المفصل pivot cities (وأنا أفضل هذه الترجمة على ترجمة مدن محورية) فهي ولا شك مفاصل المدينة الحقيقية pivot of the city
فالبروليتاريا الداخلية -وهو مصطلح توينبي خالص- هي ما تحافظ على الحضارة حين تفشل حضارة الدولة -إمبريالية كانت أو مستعمرة- في حفظها
أخيرًا ..
أحب أن أقول أن تحيزات داودؤغلو العثمانية مزعجة حقًا
فإضفاء أهمية على الأستانة-بول مبالغ فيه، حتى أني وددت مغاضبًا أن أمد فمي داخل الكتاب لأصرخ في أذنه "لقد صنع مضيق البوسفور مدينتك أكثر من كل ما تصفه فتوقف عن محاولات إضفاء الميتافيزيقيا على معشوقتك"
خصوصًا في اللحظة التي ذكر فيها أن القبب العثمانية تدل على التواضع بعكس عمارة روما .. القبب العثمانية والتواضع؟! .. في نفس الجملة؟!
في الحقيقة لا يخلو نقاد المركزية الأوروبية من استشراق معكوس أحيانًا بشكل مزعج
كما أن دفاعه عن نظام الملل العثماني -وهو يكثر من الطنطنة حوله كونه رجلًا دبلوماسيًا عثمانيًا قبل وبعد كل شيء- يخلو من كثير من الدقة
إن نظامًا كهذا تسبب في تركيع أمة الإسلام للغازي الأجنبي وهو بطبيعة الحال الأب الروحي للمحاكم المختلطة التي أفسدت أديان الناس في مصر وغيرها من الأصقاع. كما أنه ليس بهذه القوة. بدليل زواله بسهولة غير متصورة في حالة العلاقة بين مسلمي ومسيحيي مصر والشام مثلًا
كما أن نظرته إلى سالونيك العثمانية المتحسرة نظرة شديدة "الخبث"
فسالونيك اليوم مدينة مركزية هامة من مدن الناتو والاتحاد الأوروبي ليست مدينة أطلال كما يصف. وهي بطبيعة الحال المدينة التي أسقطت عبد الحميد الثاني وكل العثمانيين تنتابهم تجاهها مشاعر مختلطة.
_______
الكتاب رائع .. لكنني أقسو في نقدي أحيانًا على من يرحم
أو أنا خلقي ضيق مش عارف


