انطباعاتي عن "العمارة الإسلامية"
يوتوبيا الاستعادة في أدلجة الفضاء وأسطرة الأماكن (خدها رصة زي ما هي كده)
تقدمة لا بد منها
باشرت بالأمس حضوري لإحدى الورش الشهيرة في مجال المعمار الإسلامي. الورشة، التي صك اسمها مسامعي منذ سنين مضت، كانت دائمًا محل شك بالنسبة لي. أعرف نفسي دائمًا بأني محب للحضارة والتراث الإسلامي، غير أني لا أجد في صدري غير عداوة كل ما يتعلق بالمعمار الإسلامي من جهات عديدة. ولم أجدني يومًا متحمسًا لإدامة التأمل في فلسفة معمار المسلمين لأسباب أبسطها هنا.
هذه التدوينة هي فرصتي الأخيرة في تدوين أفكاري (العدائية) نحو كل يوتوبيا استعادية تتعلق بالنيو-تقليدية المسماة أيديولوجيا المعمار الإسلامي. على أن أعود لكتابة مثلها بنهاية الورشة، إما تأكيدًا لرأيي الأول المعادي، أو نزولًا عنه -كما أتوقع. من نافلة القول أن الورشة -اسمها ع. عمارة من أجل الإنسان- تبدو معدة جيدًا، و”متعوب فيها” بشدة. ولا أظنني سيتملكني شيئًا من الإحباط من جهة الاجتهاد فيها، بقدر عداوتي للفكرة ذاتها كما سأبسط تاليًا.
في مشهد حضري مصري مضطرب -ككل شيء تقريبًا منذ 2011- توقفت العمارة عن أن تكون مجرد ممارسة لفعل البناء؛ وصار البناء ممارسة “أيديولوجية” بوسائل أخرى. وفي رأيي، يجب تطبيق “تفسير التشكك” الذي يسيء الظن من باب الاختبار في كل الأفكار في محاولة لسبر أغوارها، والافتراض المبدئي أن تقديم أي مؤسسة ثقافية لذاتها ليس نافذة إلى روحها، بقدر كونه قناعًا يخفي تناقضاتها المادية.
أكثر المصطلحات التي تسمعها في الفعاليات الشبيهة هي “الهوية” و”روح المكان” -الذي أظنه تعريبًا سيئًا لعبارة Genius Loci- و”الحضارة الإسلامية”، والتي -المصطلحات- تبني جدارًا دفاعيًا ضد الواقع الفوضوي والحديث المفرط والنيوليبرالي في القاهرة المعاصرة. ما أجادل فيه أن هذا النقد الشرس يمثل تطرفًا معماريًا مقابلًا -وقد عرفت بالأمس أنهم سيخصصون أحد اللقاءات للحديث عن مصطلح التطرف المعماري هذا Architectural Extremism. وأعني بالتطرف هنا الدعوة إلى الانسحاب الجذري من الحاضر -غير المختلف حول قبحه- إلى محاكاة برجوازية منسقة للماضي. هذا الانسحاب، بالرغم من تأطيره أنه “عمارة للإنسان” إلا إنه في تصوري لن ينتهي عمليًا إلا إلى آلية إقصائية لن تنتهي إلا إلى تنفير البروليتاريا المطمورين في الحضرية والتي تدعي مثل هذه البيئات دعمها.
“روح المكان”
كرس المعماري النرويجي كريستيان نوبرغ-شولتز نظريته التي تستدعي أسطورية مفهوم Genius Loci الروماني الذي أظن أن الترجمة الأدق له هي عبقرية المكان -التي استلهمها في عنوانه د. جمال حمدان. المفهوم يفترض أن “الروح” ثابتة ومتفردة في المكان. وينبغي أن يحمل معمار المكان هويته.
لو نظرت مثلًا إلى مكان مثل حي السيدة زينب المصري الذي تقام الورشة فيه، أي الأرواح هي التي تتملك هذا المكان؟ لا تتسرع بالإجابة بأنها روح القاهرة الإسلامية التي يبعثها مرقد سيدة آل البيت الشريفة عليهم السلام، فالمكان كذلك عامر بالأسواق، وتجار المخدرات، وضباط الأمن. وهذه هي مشكلتي مع هذا النوع من التصورات المعمارية، لا يوجد على وجه البسيطة مكانًا يحمل عبقًا ذا روح واحدة، بما في ذلك الحرمين الشريفين وثالثها في القدس الشريف.
المعمار -حين يستبطن المعنى التجاوزي لـ”روح المكان” يختزل كل ما جرى في هذا المكان في تصورات المعماري الذي أنتجه. فجأة يستحيل الناصر حسن المهووس بنفسه إلى بناء عظيم أقام للناس أكبر معابد الأرض في عصره “جامع السلطان حسن”. ويذهب اللص المفتئت على السلطان صرغتمش إلى ولي زاهد ذي ولاية، بل وحتى تغري بردي البكلمشي الذي عرفه أهل عصره بالمؤذي يحمل معماره نور الولاية، ولربما أشار له الناس بأنه “سيدي المؤذي”.
المعمار في النسق القرآني ذا طبيعة وظيفية أكثر زهدًا وتجردًا من الفن والهوياتية، والإفراط في المعمار لا يجعله أكثر إسلامية بأي شكل، بل إن القرآن الكريم قد عده شكلًا من أشكال العبث في آية “أتبنون بكل ريع آية تعبثون” وفي سياق آخر يروي التاريخ عن المسجد الذي شيده أعظم سلاطين الأندلس الطاغية عبد الرحمن الناصر مسجده المسقوف بالفضة الذي لربما عده المنبهرون بالعمارة الإسلامية اليوم آية من آيات الإعجاز ودليلًا على وجود الله ولربما باعثًا على الإسلام -كما يسجل أحد كبار المفكرين الإسلاميين قصة عودته للإسلام- فإن فقهاء عصره قد عابوا عليه بناءه وذكروه بقول الله تعالى “لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة”.
في تصوري، كانت الحضارة الإسلامية عن عمد في طور التشغيل الحضاري الخاص بها حضارة لا تعني بالمعمار عمدًا، وكانت وظيفية جدًا في تصورها للبنيان تحت تصورات بسيطة من جنس (افعل، ولا تفعل). لأن التشييد في الأرض نفسه نوع من أنواع الإخلاد إلى الأرض المذموم في القرآن. وقد حمل بعض كبار الصحابة روحًا عدائية للحالة المعمارية التي تلبست حتى عصر الإسلام الأول كما فعل سيدنا أبو ذر الغفاري نفسه، الذي اضطر لمغادرة المدينة المنورة في عصر الراشد ذي نوري بضعتي رسول الله صلى الله عليهم جميعًا.
وفي تصوري كذلك، كان الانشغال المعياري شكلًا من أشكال الحيدة عن هذه الروح المعراجية إلى شكل إخلادي من الإمبراطورية الإسلامية واكب الحكم الأموي، ثم عطل مساره الراشد العمري بن عبد العزيز لبضعة شهور -وقد كانت حركة البناء في عهد الوليد قد بلغت أوجها- ثم استعيدت مرة أخرى في عهدي هشام بن عبد الملك وخليفته المسرف الوليد بن يزيد.
ونحن اليوم نهيم شوقًا بحضارات لا إسلامية وإن كانت من تراث المسلمين، لأنها حضارات الملك العضود الذي ذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما مدحه. ونسبغ عليها أوصاف الإسلامية لا انبهارًا بها قدر هروبنا من روح الحداثة الخانقة، بحثًا عن صفحات من المجد التليد. إن “الاستماع إلى المكان” الذي يمارسه المهتمون بالمعمار الإسلامي بوعي هو حالة من المراوغة السياسية للتحليل المادي، ففي حين ينشط المعماريون في الحديث عن زخرف القول والبناء، يشهد سكان القاهرة أقوى تهديد حضري تعرضوا له منذ عقود بالعبث الحكومي بقوانين الملكية والإيجار. والاهتمام المعماري في رأيي هنا يستبدل -بوعي أو بدون وعي- علم الاجتماع الحضري بشيء من اللاهوت الحضري.
القاهرة عندي لا روح لها، روح القاهرة هي أسطورة كبيرة، وهذه القناعة هي أسهل بكثير من قناعة تكون روح القاهرة عندي أنها -بخلاف اسمها- بلدة دائمة الانقهار، لا ترد يد لامس من الغزاة والطغاة. كلما يتغلب عليها عبد سوء ويقهر أهلها ويسلمون له قياد الحاضر، فإنه يغزو تاريخهم بتخليد اسمه ببناء يتحدى السماء، بقليل من المفاهيم “الإسلامية” عند هذا التشييد، فإنه بعد جيل أو جيلين يكتسب أوصاف الولاية وأوسام التقوى في عيون الناس. فطاغية الأمس أصبح ولي اليوم، ويحزنني أن طاغية اليوم الذي تمشي يوميًا في الشارع لترى آثاره على وجوه الناس وآثارهم، ستذكره القاهرة وروحها غدًا عند الناس بأنه المشيد وصاحب الأبنية العالية والمساجد الشاهقة.
والحق أنه عند التدقيق لا فارق بين طاغية اليوم وطاغية الأمس وطاغية الغد. ولن يغير كون المساحة الفراغ في بناءه فناءً داخليًا أو حديقةً خارجيةً في كونه طاغية جبار سام أهل بلادي عذابات الدنيا. ولا أرجو له نجاة الآخرة. لن يجعله حمل السيف بخلاف المسدس مقدسًا عندي أو إسلاميًا.
الهوية
باتباع عدسة إدوارد سعيد، تلحظ بناء المعماريين صورة للعمارة الإسلامية تعكس لوحات استشراق القرن الـ19م -القباب، والحجب، والظلال. وهو في رأيي ضربًا من ضروب الاستشراق الذاتي: ممارسة الأشرقة “Easternness” وهي شكلًا من أشكال العمل الواعي على تأطير النظر تجاه الشرق بعيون الاستشراق الغربي. أخطأ جل قراء سعيد في تصور أن الاستشراق بطبيعة الحال هو محاولة تشويهية ترى الشرق دائمًا بشكل هزلي نظري حاقد. بل أكثر الاستشراق يرى الشرق كيانًا أسطوريًا يحبس الأنفاس ويبهرها ويجذب جامعي التحف، والباحثين عن الإثارة -وذلك اللص الاستعماري البريطاني أجاير أندرسون يعد مثالًا عبقريًا على ما أصف.
بالنسبة لي أحب في القاهرة هجنتها المعمارية ، بأجزاءها الفاطمية والمملوكية، والقبطية، والخديوية، بل وحتى الاشتراكية الناصرية سواءً بسواء. شخصيًا لا أحمل أدنى عداوة لأي معمار انتفع منه أهلي يومًا إلا معمار الانفتاح وما تلاه. “الذات المسلمة الخالصة للإسلام” والتي توصف بكلمة أصبحت ذات حمولة دلالية ثقيلة على النفس في العقد الأخير.
الهوية كما يعرفها الشريف الجرجاني هي الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة. والحق أن هذه الكلمة قد جرى تجريفها بفعل الأيديولوجيا من باب إكساب الشحم صفة اللحم، فطالت الهوية المباني وخفت عن المعاني حتى رسمت الهوية تصاميم المباني، وأسامي المحال التجارية والبراندات، وواجهة القمصان والتيشيرتات والهوديز.
بحث الإنسان عن هوية عندي هو بحثه عن التميز، عن أن يعبر عن اختلافه بفخر، عن المكانة الاجتماعية الفيبرية من خلال صياغة الجماعة المتخيلة مع الفضاء والأمكنة. لا تعمل الهوية عملها بالاعتبار الاجتماعي بكونها تستند إلى حقائق تاريخية، بقدر استنادها على قوة الأسطورة، ومصداقيتها عند المنضويين تحت لواءها. بمعنى آخر سيكون آخر اهتماماتك إن استبطنتَ هذا الفهم أن تطمئن إلى كون بناة هذه المباني كانوا أتقياء أو إسلاميين أو ذوي أي فلسفة سوى التطاول في البنيان والمفاخرة.
بالنسبة لي إن تخليت عن المهنة البنيوية والوظيفية للبناء (توفير السكن بما يستصحبه من خصائص) فإنني لن أختار أي فهم أيديولوجي تم تأطيره لي بعناية وإلباسه لبوس الدين تارة ولبوس الهوية تارة. فأنا ابن القاهرة بكل مكوناتها، الكوزموبوليتاني منها يدعوني للسعادة كما يفعل الإسلامي التراثي سواءً بسواء. هذا أنا وهذه المدينة التي أقلتني شابًا، كونت فيها ذكرياتي وحملت ديني. لم أشعر أبدًا بأي مراودة يراودني عن نفسي فيها أحد المباني الافرنجية، ولم أشعر برغبة عارمة في الكفر بالله أو الإلحاد لدى زيارتي لأي من فنادقها.
والحقيقة، أن ما أصفه هنا هو جوهر فهمي للإسلام نفسه. الدين العابر للهويات. دين الأفكار النظرية البسيطة التي تغشى الناس شرقًا وغربًا بذات الطرق على ذات المعاني في ذات النفس البشرية، فيعتنقها الشرقي ابن القاهرة الأثرية والغربي ابن الخديوية بل والإنسان البدائي ساكن الكهوف والأطلال. أظن ظنًا أن المساجد والفنادق والأسواق والمولات جميعها يسبح لله ويعبده ويخضع له حجرًا حجرًا بذات الحماس، وأن ما يجعل المسجد مسجدًا قبل وجود الزخارف والسمات المعمارية هو تعميره بالصلاة ولو كان خمارة سابقة أو كنيسة خربة.
لا أقول هنا بحياد الأمكنة، الأمكنة والفضاءات والمساحات والمباني ليست محايدة, هي منحازة قهرًا لخالقها تسبحه ليل نهار. أما ساكنوها فقد سوى الله نفوسهم فألهمها فجورها وتقواها، وقد يستعملونها في التقوى والفجور. وقد جرى استعمال المباني ذات الطابع الإسلامي للفجور والظلم والبغي بغير الحق أعمارًا ودهورًا، ولا أظنني متحمسًا للدفاع عنها هنا لأن ديني لنفسي ودين الأماكن للأماكن.
فقه العمران
هل كانت المدن القديمة تنتظم وتعتمر بفقه ديني يخلق انسجامًا عضويًا؟
بخلاف تنظيمات تتعلق بالمكروهات والمستحبات، وبعض قواعد مراعاة مواقيت الصلاة ، فليس ثمة ما يُسمى (فقه العمران) بالاعتبار الذي جرى تضخيمه. ليس ثمة علم إسلامي ينبثق عنه نظام قانوني متماسك قائم بشكل كلي على الماضي. بل إن الفقه نفسه في هذا الشأن هو علم بشري، بشريته تتأتى من الاعتبار الاجتهادي فيه، وهنا أنا أفرق بين (الفقه) الذي هو النسق الاجتهادي البشري مع غياب الوحي، و(الشريعة) التي هي الإطار النسقي الذي يُجمِع أهل الإسلام على أنها ثابتة في الوحي بنصوصه وأن المسلمين يتحركون في داخله.
هذا الفقه -بمعناه البشري الاجتهادي- خضع طوال الوقت بلا شك لشكل من أشكال التفاوض الدائم بين الحاكمين والمحكومين، لا يأتي تأثره هنا من قلة الدين أو التقوى أو النزاهة الأكاديمية لعلماء الملة الأكارم. لكنه بحكم البيئة والسياقات. سيطر على العقل المسلم أطوارًا شتى عبر العصور، ونظرة المسلمين أنفسهم للفقيه والسلطان والفقه تغيرت عبر التاريخ تبعًا لهذا التفاوض. تشابهت الأنساق عمومًا لثبات العوامل الحضارية والجغرافية عبر ديار الإسلام التاريخية، لكنها لم تكن يومًا قوانين من الجهة الأخلاقية الفقهية أو حتى من الجهة السننية الغالبة.
تصوري العام للشريعة دائمًا ما يتصل بكونها (نسقًا مفتوحًا) لا تنغلق دائرته ولا ينتهي الاجتهاد داخلها، ولا يتوقف تثوير نصوص الوحي فيه استنباطًا من القرآن، أو عودة عليه بسؤالات عصور جديدة. في اللحظة التي تنغلق فيها الدائرة، وينغلق النسق. يقع أهل الإسلام في الخطأ اليهودي الأثير الذي نزل الزهراوان في وقايتهم منه، تصورات “شعب الله المختار”. شعور التفوق الأخلاقي التمايزي على الأغيار، فقد حلت الشريعة في الأشخاص -وفي حالة العمران فهي تحل في المباني، وهو الأسوأ- وصارت الأبنية موقعة عن رب العالمين بدلًأ من النسق الاجتهادي.
إطالة النفس في الحديث عن “حمائية الخصوصية” و”تسهيل العبادة” وغيرها في “فقه العمران” لا يشعرني إلا بنوع من التربية الأدائية performative pedagogy. دورها الرئيس لا يخدم في وظيفتها الأدائية -التي تحفظها المكابدة الجوانية المستمرة للأفراد والمجتمعات لا العمران البراني الجامد- ويتحول إلى وظيفة سيادية يُشعِر البناء ساكنه فيه بالتفوق الأخلاقي على التخطيط العمراني الحديث “الخالي من الإله”.
راقب كلمة “خالي من الإله” أو “خالي من الدين” نفسها، ألا تشعر معي أنها حالة من الحلولية المعاصرة. الإله حل في الحجر حلولًا يجعل ابن عربي يشعر بالغيرة -إن صح اتهام اعتقاده بهذه العقيدة- ولم يبق إلا أن يقول العمراني “ما في (الظلة) غير الله”.
الشخصنة مع الخرسانة
الطين المطبوخ (الآجر) والحجر والخشب هي مواد بناء “إنسانية”؛ الخرسانة والفولاذ هي “غير إنسانية”.
صديقي .. استيقظ ..
البناء بالطين والحجر والخشب اليوم أعلى تكلفة -بكثير- من البناء على الخرسانة المسلحة. أبنية الطين التي مثلت “عمارة الفقراء” لعقود أصبحت اليوم امتيازًا حصريًا للأغنياء. فانزل معنا إلى أرض الواقع، وتوقف عن التنظير عن الفقراء الذين يبنون بيوتهم بالعناصر الأقل تكلفة في بيئتهم اليوم. فنحن -والله العظيم- نحيا اليوم في عصر معولم صارت أسياخ الحديد أسهل وأقل تكلفة، وأصبح البناؤون أكثر خبرة بها.
المدح المستمر للمواد “ألمتواضعة” بنت “بيئتنا” التي كنا نستعين بها في الماضي. يتجاهل أن الفقراء أنفسهم اليوم أبناء بيئات الطين يبنون مبانيهم بالهياكل الخرسانية لأنها “متينة” و”قابلة للتوسع” و”حديثة”.
الأب الروحي نفسه لهذه المدرسة “حسن فتحي” ومشروع القرنة الجديدة التي صممها فتحي وجدت تجربته إخفاقًا محبطًا، الفقراء الذين تنتسب لهم هذه العمارة وجدوا القباب ساخنة، والطوب الطيني يشير إلى الفقر، وعدم القدرة على توفير المياه الجارية في القرن العشرين أمرًا غير مقبول. ماذا فعل العبقري -الذي لا نشكك في عبقريته- إذن؟ ألقى باللوم على “غباء الفلاحين”. لم يستطع قبول فكرة أن “عمارة الفقراء” التي يقدمها كانت “عمارة على حساب الفقراء”.
يعلم تلاميذ حسن فتحي والمتأثرون به بهذه القصة لكنهم ولسبب لا أفهمه يتجاهلون هذه النتائج في مقابل تمجيد أفكاره. هذه المشاريع يتم تصميمها من أجل “فلاح خيالي” يريد العيش في قبة. بدلًا من النظر إلى احتياجات “مواطن حقيقي” يريد البناء المتطاول -استجابةً لكثرة العيال- والحداثة -استجابةً للضغط الاجتماعي -ولا فضيلة في التعالي على هذا الاحتياج الإنساني لأسباب أيديولوجية ليس لها أي قداسة. هذه هي مأساة مدرسة حسن فتحي: هم يحبون “صورة الفقراء” لكنهم يكرهون “ذوق الفقراء”.
ختامًا
أرجو أن أعاود زيارة هذه التدوينة يومًا -خلال الشهرين القادمين- لأشهد بمواطن خطئي فيها، وأسلم بأحد أمرين. إما أني قد أخطأت الفهم والتصور، أو أن ما تقدمه ورشة ع ببساطة ليس كل ما أتصوره هذا، وأن كل هؤلاء المنتهين منها أخطأوا فهم غاية مقدميها.
أرجو كذلك أن أشهد يومًا معماريًا يقترح أبنية “حضرية مادية” -عادي والله مش عيب- لا تتعالى على ضرورات الواقع، ولا تهرب منها إلى نوستالجيا الأماكن الأثرية.
أرجو أن أجد معماريًا يحدثني عن الاقتصاد السياسي لإدارة الفضاء بدلًا من أساطير “روح المكان”، يتناول واقع ملكيات الأراضي، وفجوة الإيجارات، وتهديدات الإخلاء التي تعصف بالمصريين، يدرسون تدفق رؤوس الأموال بدلًا من “الروح”.
أرجو أن أجد معماريًا يفخر بالهوية الهجينة للقاهرة، التي تغلب عليها وعلى أهلها الفرعوني والقبطي والمملوكي والفاطمي (لا تقل الإسلامي) والحديثة. يدرس الهوية الهجينة التي يحياها يومًا مواطن 2026 كما هي.
أرجو أن أجد معماريًا ينشط في فهم اللغة غير المكتوبة للعشوائيات، كيف يتفاوض الناس على الفضاء في غياب الدولة وفي غياب الفقه. نعم تفاوض الفقهاء والمعماريون لقرون في القاهرة المملوكية، لكننا لا نعيش في زمن هذا التفاوض اليوم.
الهياكل الخرسانية أمست ضرورة، فهل ينشط معماري لتحسينها؟ هل من ثمة أمل في تظليل شمسي أحسن، أو عزل منخفض التكلفة لها؟ هل يمكن بشكل عام أن تؤدي المباني الحديثة بشكل أفضل بدلًا من الاستغناء -العبثي- عنها؟
هل يمكن أن نتوقف عن تمجيد الحرف اليدوية وإضفاء أوصاف روحية عليها؟ في زمن الروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد، الإصرار على العمل اليدوي هو شكل من أشكال اللاضية -حركة رفض التكنولوجيا- التي لطالما سمعنا عنها في الثورة الصناعية في بريطانيا. ليس ثمة فضيلة في هذا الرفض -وحيات أمي!
أرجوا أخيرًا أن أشهد ورشة شبيهة في إمبابة أو عزبة الهجانة. لا في بيت أرستقراطي من أرستقراطيّ العصر العثماني، كان رمزًا للاستعمار الثقافي والحملة الفرنسية. عمارة الفقراء يجب أن تُقدم .. كما تعلم .. حول الفقراء.



متفقة مع نقدك فى الجزء الخاص بأسلمة بعض أنماط العمارة من حيث اختلافها البنيوى عن التصور القرآنى لها من حيث النظرية و التطبيق أيضا فى العهد النبوى و ما تلاه من العهد الراشد
لكن إلغاء الفكرة كليا اعتقد محتاج توقف و إعادة نظر من حيث بعض التطبيقات التى من شأنها تحسين الحياة و دفعها فى اتجاه أفضل و فى هذا تفصيل لا مجال هنا لسرده
و هذا التحسين و الدفع هو من صميم المقاصد التشريعية بحسب ما أفهم
لم أقرأ عن العمارة بعمق من قبل ليست سوى قراءات بسيطة متفرقة و لكن هذا التصور واضح جدا عندى من خلال هذه القراءات و الاطلاعات السريعة
أنا قرأت فقه العمارة الإسلامية ل خالد عزب وكنت مفتخرة جدا ربما لأنه يتكلم عن أصول وهذا المقال يريد الإسقاط على الواقع ولكنها عيوب فى التطبيق وليس التنظير والله أعلم.