الرد الصاعق المدوي على عبد الله عثمان الجهوي
ههه بهزر .. عبد الله أخويا الكبير .. هعرفه غلطه بس
الصديق عبدالله عثمان كتب نقدًا رصينًا لما أقدمه من مقولات في نقد إسلامية المعرفة، وهي ملاحظات حسنة تدور كلها في فلك أني أنطلق من نزعة علموية مضمرة أو رما أمارس ما يمكن وصفه بأنه تسطيح أنطولوجي للمعارف.
والحق أن نقد أ. عبد الله عظيم لا أبتغي هنا دفعه عن نفسي بقدر ما أني سأستغل فرصته في بيان أكبر لمنهجية تفكيري في مثل هذه المعارف وهو في محاور 3 هي:
1. أني أتحسس مسدسي من كل خلط بين الرسالة الإلهية العلوية والأداء التاريخي للأمة
2. أني كذلك لا أهضم بسهولة الاستشراقات الرومانسية التي تسبغ أوصاف الجلالة على كثير من معارف التراث، لأنه "تراث" لا لأنها "معارف"
3. أن نماذج "أسلمة المعرفة" قد تحولت في كثير من الأحيان إلى "ملاذ غنوصي" ينسحب من تحديات الواقع المادي، ومن احتياجها للبرهنة العلمية
وهذه الثلاثية في رأيي هي بنية المنطق الذي لم يزل الإصلاح الإسلامي ابنًا له منذ عهد أمير البيان شكيب أرسلان ذاته، وهو منطق يحصر العقل المسلم -للأسف- في حالة الامتعاض ورد الفعل.
بين الفهم والتفسير .. فرق كبير
يأخذ عليّ عبد الله مثلًا أني بشيء من التسطيح أطابق بين العلوم الإنسانية والطبيعية، ويعني هنا تحديدًا كوني أطالب بإخضاع الظواهر "الإنسانية" لمعايير البرهنة والواقعية المادية.
ولعل الصديق عبد الله هنا يشير إلى التمييز الذي وضعه فيلهلم ديلتاي بين Naturwissenschaften (العلوم الطبيعية) وGeisteswissenschaften (العلوم الإنسانية) والذي تابعه عليه بول ريكور.
التمييز الديلتاوي "المفترض" بين Erklaren "التفسير" في حالة الظواهر الطبيعية وVerstehen "الفهم" للظواهر الإنسانية خرج في سياق تاريخي في استجابة رومانسية ألمانية سعت إلى حماية "الذاتية" من التوسع الصناعي الموضوعي والمادي في ذلك العصر.
والحقيقة أني من فمه -فم عبد الله عثمان طبعًا مش ديلتاي- أدينه.
لأنه يتعامل مع هذا النقد أنه بديهة فلسفية، لأن هذه النقودات نفسها هي موضع خلاف ابستمولوجي حقيقي.
يعيب عبد الله عليّ إذن إخفائي افتراضاتي -الابستمولوجية- وسرد نقوداتي المنبنية عليها بوصفها بديهيات معرفية، ويفعل الأمر نفسه مع النقودات الديلتاوية.
بالتأكيد نقطة عبد الله ليست باطلة كليًا، ولا أنكر أني في نقدي لروح المكان أو لعلم النفس اليونغي أميل إلى اعتبار التحقق التجريبي معيارًا فاصلًا بين "العلم" و"الخرافة". وهو ميل بطبيعة الحال يؤدي إلى اختزال العلوم الإنسانية في شقها الوضعي.
غير أن أخي عبد الله يفترض أن التمييز بين الطبيعيات والإنسانيات كما قلت حقيقة راسخة، مغفلًا أن فلسفة العلوم ما بعد التجريبية -لا التجريبية فقط- قد أعادت النظر في هذا التمييز، وأن علماء مثل الانجليزي روي بهاسكار يرفض كلا الطرفين: الوضعية التي تطبق معايير الطبيعة على الإنسان، والتفسيرية (الهرمنيوطيقا) التي تحصن العلوم الإنسانية من أي رقابة تجريبية. يزعم بهاسكار أن العلوم الإنسانية بالطبع لها طبيعة خاصة، لكن هذه الطبيعة لا تعفيها من التحقق، بل تفرض عليها أشكاله المناسبة.
مثال في عبقرية المكان
ولو تأمل متأمل مثلًا في رفضي لمفهوم Genius Loci (عبقرية المكان - روح المكان) الذي كنت ولا زلت أراه محض خرافة، فأنا هنا لا أرفض الظاهراتية المكانية برمتها، أي أني لا أرفض أن يجد فيلسوف أو معماري أو أديب في مكان ما روحًا عبقرية يصفها. أنا فقط أعترض على تحويل هذا المفهوم إلى جوهر غيبي مستقل لا يقبل المسائلة. وهذا الموقف ليس وضعية متشددة بأي حال من الأحوال.
على سبيل المثال، في كتابه "حضارات ومدن" أو "المدن المحورية" يصف أحمد داودؤغلو عبقرية الأستانة-بول وعشقه لها في إطار ابستمولوجي يميل إلى التمجيد فيقول عبارات من لدن "جمعة الأستانة-بول بين روح المدينة المنورة وروما" أو "تعاورتها حضارات تلو حضارات لكن محمد الفاتح هو من منحها روحًا بقبوله التعددية فيها".
أنا هنا لا آخذ على الدكتور أحمد داودؤغلو مثلًا "انحيازه" إلى مدينته وأصفه بأنه شيء "غير علمي". بل أقبل مثل هذا التفسير جدًا.
وأضع بإزاءه تفسير لا يقل وجاهة مثل أن "محورية الأستانة-بول" تفسرها مرورها بنقطة الاختناق المضيقي في المياه الدافئة مما يجعلها محورًا تجاريًا في خطوط الملاحة العالمية في العصور الوسطى المتأخرة، لا شخصيتها المحورية ولا قيمتها الحضارية.
وهذا النقد هو أقرب لما يمكن وصفه بـ براغماتية إبستمولوجية من كونه "وضعية". والحق أني أنتقد تحول العقل الإسلامي في الإفراط في هذا التمييز في سبيل صنع جدار دفاعي لا يُستغل إلا لحماية المسلمين من الهجمة المادية العاصفة بدلًا من الانخراط فيها والتفوق على الحضارة الغربية بمنافسة عادلة بدلًا من تمرير الآيديولوجيات والميتافيزيقا بلا حسيب أو رقيب.
مشكلات جدل الخصوصية الإنسانية
"الخصوصية الإنسانية" مثلها مثل "الخصوصية الحضارية الإسلامية" مثلها مثل "الخصوصية الشرقية" مثلها مثل "التحيز المعرفي المسيري" مثله مثل "ما قبل المنهج الشاكري". كلها أفكار عظيمة وجليلة في سياقها الأولي، لكنها كانت القنطرة التي مر عليها آلاف من كسالى الباحثين الإنسانيين المسلمين مستغلين إياها في نشر النشارة وإعادة إنتاج المعرفة الإسلامية في موقف دفاعي لا يفعل شيئًا إلا أن يقول للغرب دائمًا "انتي ياللي بابا كان بيشوط فيكي!" و"أنا هعلي صوتي!" و"أنا زي بابا بالظبط في الشدة شديد وفي القوة قوي .. قوي قوي!".
نظرة بسيطة على البيانات الأكاديمية لكل جامعات العالم في الأعوام الثلاثة الأخيرة ستعرف إلى أي مدى تزول الفجوة بين العلوم الطبيعية والإنسانية "يوميًا"، لا لصالح الوضعية النظرية، بل لصالح "تعددية منهجية". لم تعد العلوم الاجتماعية المعاصرة تكتفي بالتأملات، بل بشكل متزايد أصبحت تعتمد على النماذج الرياضية، والبيج داتا لفهم السلوك البشري، دون حجب للمكون الذاتي أو ازدرائه.
والحق أن ما أدعو إليه هنا، ليس اقتداءً بالغرب أو مركزية أوروبا. بل هو اقتداء بحضارات غير غربية رافضة للمركزية الأوروبية مثلنا سواءً بسواء في الهند والصين بل وفي روسيا أحيانًا، لكل حضارة من هؤلاء ما تنتجه "بشكل يومي" في العلوم الإنسانية، وليس قائمًا على خرافات الخصوصية، وليس قائمًا كذلك على المعايير الغربية.
لقد سجل هؤلاء علومهم، ووضعوا لها مناهج قابلة للتحقق تفرق بين العلم "المبذول فيه الجهد" و"الخرافة" التي تستدل على نفسها بنفسها وتشهد لنفسها بالكفاءة والجودة، لكيلا يظهر فيهم مرة أخرى محمد نجيب العطاس أو إسماعيل راجي الفاروقي أو عبد الله روثمان أو غيرهم -على الجميع رحمة الله-
وكلها تجارب على الحضارة الإسلامية -أو المسلمين المعاصرين- التوقف عن الكسل والبدء في الجري على سننه، لأن الحضارات لن تنتظرنا.
لماذا لا أشتبك “فلسفيًا”؟
أما ما تناوله عبد الله مما يصفه بـ "غياب الاشتباك الفلفسي" فأعترف أنها أقوى نقاط نقده. وربما هو المصيب فيها لا أنا.
لكارل يونج مثلًا خصوم كثر، منهم فرانك سيرل فيلسوف العقل الذي يشكك في معنى "اللاوعي الجمعي" كبنية معرفية أصلًا، أو كارل بوبر الذي يطعن في قابلية نظريات يونج للتكذيب.
وأنا لم أسهب في الحديث عن أي هذين النقدين أتبنى، وطبعًا أنا أتبنى الاثنين :3
لكن قياسي بالماركسيين ينطوي ولا شك على خلط مبين: الماركسيون يطرحون منظور للعالم Weltanschauung بديل يا سيد عبد الله ويدعون له العلمية. أنا لا أفعل هذا، ولا أدعي امتلاك البديل دائمًا.
أنا محض ناقد لمشاريع قائمة، وليس على الناقد إن قرر تفكيك نموذجًا أن يقيم نموذجًا بديلًأ كاملًا.
أحاول فعل هذا دون أن أتشبع بما لم أعط، فمثلًا في مقالة نقد علم النفس "الإسلامي" قلت إن حملت الإسهامات مسمى "علم نفس المسلمين" وهي مرحلة متقدمة قليلًا على اتجاه في علم النفس بالفعل يوصف بأنه Culturely appropriated مع مزيد ثورة.
كما أني في نقد السؤال الأرسلاني "لماذا تقدم غير المسلمين وتأخرنا؟" حاولت أن أجيب منطلقًا من أفكار فيلسوف حداثي مهم هو نيتشة، لا إعجابًا بنيتشة -أنا أكره نيتشة- ولكن لأنه ببساطة كان يقف عند ذات النقطة التي كان يقف عندها جيل شكيب أرسلان من هجمة الحداثة، ربحت روح نيتشة الساعية إلى التحول إلى "طفل متعلم"، وظلت روح شكيب أرسلان "الأسدية" تفترس كل ما يُقدَّم لها طوال قرن من الزمان تقريبًا.
أما في نقد المرحوم نجيب العطاس فقد قلتُ مثلًا أني معجب بنموذج "الطبيعة المزدوجة" عند فضل الرحمن، أو حتى "أسئلة المنهج في أفق التأسيس لنموذج علمي" عند عبد الرحمن طه.
في نقدي لمفاهيم العمارة -التي قلت أنها انطباعية- قلت أني لم أتجاسر على طرح وجهة نظري حتى وجدت مثلها عند أعلام مثل ناصر الرباط أو جانيت أبو لغد أو مصطفى بن حروش. أنا طوال الوقت على دراية بتنوع الحقل، غير أن مطالبتي بمعالجته كله فيها تطلب الأشياء غير طباعها.
لا أزعم أن عبد الله يطالبني بهذا -ولذلك أعترف أنه مصيب في هذه النقطة- أنا فقط أشير إلى عجزي "الفلسفي" في هذا السياق. ولعلي أفاد من نقد عبد الله هنا، وأحاول على الأقل أن أحدد "معايير" أحكم بها على ما أنتقده.
أخيرًا .. وحتى لا تستحيل الدعوة إلى سجال:
أنا أنطلق عمومًا من مصفوفة معرفية -لا أدعي أنها مكتملة ولكنها حاكمة لأفكاري بدرجة كبيرة-
1. البرهنة:
على العقل المسلم التوقف عن احتقار مناهج العلوم الحديثة والتعالي عليها وإخفاء كسله في ثوب الاختلاف الفلسفي، لم يعد الاعتماد على الاقترابات المتعددة داخل كل حقل رفاهية لمن يريد اللحاق بركب العلم.
لا أعفي باحثًا من أن يكون على اطلاع جيد على 3 حقول معرفية على الأقل تدخل في بينيات كل المعارف "الحية" اليوم وهي (علم الأعصاب - الإحصاء - الاقتصاد السياسي). لفهم "كيف" يعمل الواقع المادي والاجتماعي. هذا ليس تسطيحًا للإنسان، بل هو والله حب لأن يفهم بدقة.
2. التعالي بالوحي:
بالتأكيد وجود الوحي كإطار مرجعي لمعارف المسلمين هي نقطة قوة للحضارة الإسلامية، والمحاولات الوضعية لرفضها محاولات شديدة السوء وهي في دعوى عدم التحيز تنحاز. الوحي دائمًا سيكون إطار يجيب عن سؤال الغاية. "لماذا" نفعل ما نفعل، ودائمًا يوجه المعرفة نحو العدالة والكرامة بعيدًا عن العدمية المادية.
3. الفاعلية:
أصحاب المعرفة الإسلامية ساكنين في الدور الكام؟ أصلي عمري ما شفتهم غير في دور الضحية.
صانع التاريخ ليس ضحية، وأمة الشهود الحضاري لا يمكن أن تظل تشكو الاستشراق والعلمنة والمركزية الغربية طوال عمرها، دون أن تنتج كتابًأ مرجعيًا واحدًا في التخصصات الأكاديمية البينية، نظريات عامة ونظريات عامة ونظريات عامة ولا شيء آخر. رحم الله شكيب أرسلان، لكني أعتقد أنه قد حان الوقت لدفن سؤاله معه.








معلش في كلام كتير أوي مش فاهمه ممكن تشرح المقال في مقال تاني.
أنا حاسس إن في كلام مهم بس أنا مش فاهمه.