الغنوصية كملاذ معرفي
في وداعية محمد نقيب (أو نجيب) العطاس
يمتلئ التاريخ الفكري لأواخر القرن العشرين ببقايا مشاريع حضارية ضحمة وعدت بالانفصال النهائي عن الهيمنة الغربية. ومن بيح أكثر هذه الحركات إثارة وديمومة كانت “أسلمة المعرفة” IoK، وهي الحركة التي سعت لاستعادة العقل الإسلامي من آثار الحداثة العلمانية المتصورة التي تفرضها، وفي القلب من هذا المشروع وقف السيد محمد نقيب العطاس الذي رحل عن عالمنا في مارس الماضي.
كانت سيرة العطاس الذاتية تعكس مساره الفكري: فمن ساحات الاستعراض العسكري في الأكاديمية العسكرية الملكية ساندهيرست إلى قمم الغنوصية الباعلوية الغامضة.
لم يكن عمل العطاس الأبرز مجموعة كتبه الذاخرة، بقدر بناءه لمدرسة ميتافيزيقية كاملة تعد بإزالة الغربية عن العلوم جميعًا؛ وبقدر اتساع عالم العطاس وضخامة وعوده، كان الإحباط منه شديدًا بمشروع ظل لأربعة عقود أقل ثورية مما يعد، وأكثر غموضًا مما يجب.
جعل العطاس اللقاء مع العلم الغربي تهديدًا وجوديًا يتطلب عزلة معرفية كاملة، ليكن مثالًا نموذجيًأ لحالة الاستشراق العكسي كما لا يجب.
قضى العطاس شطر عمره ينفس على مشروع منافسه وشريكه العربي إسماعيل راجي الفاروقي زعمًا منه بأن الفاروقي استولى على فكرته
وكذا في لحظة ما من تاريخه تحول اسمه من (نجيب العطاس) إلى (نقيب العطاس) بقص القليل من ذيلك حرف الـg لتستحيل إلى q بما يستتبعه لفظ (النقيب) من معاني عرفانية صوفية
إن كانت مدرسة إسلامية المعرفة العربية ترتكز على محاولات هشة لإلباس العلوم الطبيعية والإنسانية العمامة رغمًا عنها، فمدرسة العطاس كانت أكثر شراسة في المخاصمة مع أصل هذه العلوم الأخلاقي والميتافيزيقي بالأساس.
يزعم العطاس أن العلوم الإنسانية المستقاة من الغرب كلها علماني ملحد، مهملًا جذورًا كاثوليكية وأفلاطونية واضحة في جل العلوم النظرية.
يحذر العطاس مما يسميه الافتراضات العلمانية المسبقة في العلوم الغربية، وهو ما يعد إساءة تفسير خطيرة لما في علوم بحتة من طبيعية أداتية methodological naturalism أنه شكل من أشكال الأيديولوجيا العلمانية لا مجرد حدود براغماتية للعلم تساعد على إمكان تكرار نتائجه replication أو الاستيثاق منها verification أو قابليتها للتكذيب falsifiability.
يستعين العطاس بأطروحة ماكس فيبر “خيبة أمل الطبيعة” متجاهلًا عقود من المعرفة التي تطورت في أطروحات ما بعد العلمانية عند هابرماس وغيره التي أعادت النظر إلى المقدس بشيء من التقدير الذي نسيته العلمانية، تقدير في ضوء الظاهراتية أو نظرية التعقيدات.
يكثر العطاس رحمه الله من استحضار شرط (الأدب) من تراثه الإسلامي (بمعناه الصوفي والعرفاني تحديدًا) كشرط للإبستمولوجيا. مخالفًا ما ينادي به غيره من محاولي تجديد المعرفة الإسلامية كالجابري الداعي لعقلانية ابن رشد -وإن اختلفنا معه- أو فضل الرحمن الداعي إلى إعادة الاعتبار إلى السياق الأخلاقي.
منذ إنشاء معهده في ماليزيا ISTAC منذ عشرين عامًا ولا يزال الإنتاج العلمي لنخبة العطاس لا شيء إلا مجموعة ضخمة من الذرائع لسياسيي ماليزيا وبيروقراطييها تعفيهم من المسئولية التاريخية عن الإخفاق الإسلامي في ممارساتهم باعتبار أن الفساد الهيكلي هنا في العلوم ذاتها. وربما بعض الأطروحات الحسنة في العمارة أو التصوف.
حتى التنظيرات الكبرى لمدرسة العطاس في أطروحة الاقتصاد الإسلامي لم تغادر كونها ككل أطروحات الاقتصاد الإسلامي في بقية العالم مجرد عمليات تجميلية للعمليات البنكية النيوليبرالية كما هي. وبالطبع أفادت حركة البنوك في أرخبيل الملايو من هذه التبريرات الإسلامية العرفانية.
يعد الإسهام النظري الأهم للعطاس، وهو ما يصفه بإزالة الغربية (مش المحافظة) De-Westernization هي حالة من حالات الاستشراق العكسي أو الفخ الاستشراقي؛ حيث تكون ظاهريًا معادي للنسق الاستشراقي المعادي للشرق الإسلامي، في حين أنك تنزل له صاغرًا عن الحقل العلمي بوصمها ورفضها وإثبات انتمائها للغرب. هي المعركة الخاسرة إلى الأبد لأنها بدأت بشرط الخاسر، يتسلح فيها الغرب بكل مضامين الحضارة وينسلخ عنها المسلمون فرارًا إلى حزمة من الغيبيات العرفانية التي يمارس فيها التصوف حالة من الإلغاز والهلامية لا التثبيت والرسوخ الإيماني واتزان الجواني مع البراني.
العطاس رحمه الله كان مجرد رومانسي تقليدي، لا يقدم شيئًا ذا بال أعمق مما قدمه مثلًا شيخنا عبد الواحد يحيى (رينو جينون). والفارق هنا فقط أن شيخنا عبد الواحد يحيى لم يؤسس معهدًا حكوميًا لإعادة تقديم العلوم في إطار هزلي كوميدي جديد.
كل مقدمي فكرة إسلامية المعرفة اليوم وأمس هم من نقاد الحداثة، وبغض الطرف عن الاحتفاء الذي نالوه علنًا (كمساهمات حكومة ماليزيا في تقديس العطاس وإعطاءه ألقاب ملكية) أو سرًا (كالدعم المادي الضخم الذي تلقاه الفاروقي وخلفه طه جابر العلواني من الحكومة السعودية).
ولكن ليس كل نقاد الحداثة بجرأة منظري إسلامية المعرفة
فطه عبد الرحمن ووائل حلاق وغيرهم قدموا إسهامات أكثر جدية بكثير في الحقل النظري دون العبث بحقول العلوم جميعًا.
وشخصيًا، لا ألتفت لكثير أو قليل من مساهمات منظري هذه المدرسة اللهم إلا إلى (فضل الرحمن) وأطروحة (الحركة المزدوجة) التي تنظر إلى الحداثة لا كتهديد فاسد يجد طرحه ونبذه انسحابًا إلى تصوف غنوصي يوتيوبي ولا كشريك ننبهر به ثم نلهث في ملاحقته كما يفعل الجابري وحسن حنفي وينسبان لابن رشد ولكن بصفته تحديًا يجب تفسيره، ومنافسًا يجب مزاحمته مع إعادة تطبيق للمبادئ الأخلاقي للشريعة الإسلامية بحرص وتؤدة.
لا يقدم فضل الرحمن في رأيي إجابات ختامية حاسمة لكل هذه القضايا الأخلاقية ولا يقدم تنظيرًا يعد بمثله، بل هو في نظره يرى في هذه العملية مكابدة مستمرة لا يمكن (أسلمتها) بالمعنى التعميد المسيحي فيولد العلم من جديد إسلاميًا، ولكنها دائمًا ستحمل أسئلة أخلاقية جديدة يجب موافاتها بإجابات أخلاقية جديدة في حركة نسقية مفتوحة، من الوحي استمدادًا وإليه مسائلة وعرضًا واسترشادًا بلا ادعاء عصمة في غير موضعها أو غنوصية في غير محلها.
رحم الله السادة وأجزل لهم العطاء، لا ننسى دائمًا أن نذكر فضلهم ومنتهم على العقل المسلم، فحتى عثرات الكرام هي نبراس للمسترشدين منا.



يا أخي والله العظيم القراءة ليك متعة