لقد وضعنا شكيب أرسلان في ورطة
من أسد الامتعاض إلى طفل الابستمولوجيا
كانت جنيف في عام 1930 مدينة أشباح وأوهام عظيمة. في غرف عصبة الأمم الصارمة، كان يعيد رسم خريطة العالم عدة رجال يرتدون بدلات فحمية مستعملين لغة الانتداب والمهمة الحضارية، بينما لا تزال أصداء النظام العثماني المنهار تهز أرضية الشرق الأوسط. وسط مخاطرة رسم هذه الخريطة الجديدة جلس الأمير شكيب أرسلان -أمير البيان- الرجل الذي كانت حياته جسرًا محموًما بين الماضي الدرزي الأرستقراطي والمستقبل السني الهش. لم يكن أرسلان مجرد أمير منفي؛ بل وجوده في هذه اللحظة وهذا المكان مثل جهازًا لقياس الزلازل التي لحقت بأمة تحت الحصار. حينها وصلته رسالة من أطراف أرخبيل الملايو البعيدة كتبها عالم إندونيسي يدعى محمد بسيوني عمران، احتوت الرسالة على سؤال واحد بدا لشكيب كأنه شفرة حادة تضغط على عنق 13 قرنًا من التاريخ الإسلامي:
“لماذا تأخر المسلمون بينما تقدم الآخرون؟”
رد أرسلان تحت عنوان “انحدارنا وأسبابه” في اضطراب شديد. كان رد أرسلان انفجارًا نفسيًا يسعى لاستعادة روح الجندية والتضحية لأمة يراها من العزل. وبالرغم من ذلك، وفي محاولته المحمومة لاستعادة كرامة أمته من خلال الحس الجهادي الحديث، صنع أمير البيان شكيب أرسلان عن غير قصد لنا من بعده قفصًا. لقد وضعنا شكيب أرسلان في ورطة، حين أسس لسؤال منهجي تفاعلي يركز عل الهوية أسس معه سجن للأفق الفكري الإسلامي لمدة قرن كامل. وللمضي قدمًا، ينبغي -للأسف- أن نفكك هذا السجن الأرسلاني ونتبنى شيئًا من الواقعية الحضارية التي تفصل بلا خوف بين قداسة الرسالة الإلهية والأداء التاريخي القابل للخطأ -والذي كان طوال القرن مأساويًا- لأتباعها. مهلًا يا صديقي قليل الصبر؛ فأنا لا أعني هنا الفصل العلماني بين الدين والدنيا. أعني -جريًا على سنن د. المسيري- أن نرفض الحلولية الفكرية، أن نرفض تصور أن الله قد حل في طائفتنا وشعبنا المختار، وأننا إن تولينا -أو إن شئت الدقة- يستبدل قومًا غيرنا ثم لا يكونوا أمثالنا، ولا كرامة ولا قداسة.
القفص الأرسلاني
يمثل سؤال أرسلان أزمة في المنظور. وبتساؤله عن سبب تحقيق الغرب واليابان القوة والثروة بينما كان المسلمون مغمورين في الاستياء، قبل أرسلان مقياس التقدم الاستعماري معيارًأ نهائيًا وموضوعيًا. قدم هنا الصورة الأكثر أيقونية للعقل الإسلامي المعاصر المسيطر عليه معرفيًا؛ بدأ المشرق كله في تعريف نفسه من خلال نواقصه -المتصورة- مقارنةً بأوروبا المنتصرة. كان تشخيص أرسلان أخلاقيًا وصارمًا: فقد أشار -بشجاعة- إلى خمول طبقة العلماء المنحطة، وأنانية القادة الذين فضلوا حيواتهم على شعوبهم، والفقدان العام لصفات التضحية والعمل والعطاء. وبينما كانت دعوته للعمل تهدف إلى التمكين، كان أساسها سلبيًا بحتًا ولا يقع إلا في خانة رد الفعل. فقد أسس للتخلف كحقيقة وجودية بدلًا من كونه لحظة تاريخية طارئة، محاصرًا كل الخطاب الإسلامي اللاحق له في ثنائية من الاستياء والحنق على الغرب والتقليد والرغبة في بعث ماضي الشرق كما كان.
من هذا المنظور، لا تتأطر الحداثة إلا بوصفها تهديدًا أجنبيًا غربيًا وجوديًا، تسونامي لا يمكن مقاومتها إلا من خلال التراث المعقم أو مكابدة البقاء على هامش الحياة من خلال التقليد السطحي للمنتصر. وليس ثمة تشخيص أكثر دقة من مفهوم فريدريك نيتشة للامتعاض Ressentiment. بالنسبة لنيتشة، فالامتعاض هو التفاعل النفسي الطبيعي للضعفاء المحرومين من ردة الفعل الصحية للأفعال، فيعوضون غضبهم بانتقام وهمي. وفي سياق الفكر الإسلامي الحديث ما بعد الاستعمار يتجلى هذا فيما يصفه نيتشة بـ “أخلاق العبيد” التي تكتسب قيمتها من كلمة “لا” في مقابل كل ما هو خارجي أو مختلف.
يصف نيتشة في كتابه “هكذا تكلم زرادشت” تحولات الروح التي تميز الروح الزدهرة، والفكر الإنساني الفلسفي من (الجمل( الذي يتحمل أعباء التقاليد ويمتثل لها كما هي إلى (الأسد) الغاضب الذي يقول “لا” بتمرد على كل الأعراف الراسخة ويسعى للحرية، ثم أخيرًا إلى (الطفل) أنقى درجات البراءة حيث التجديد الإبداعي وخلق القيم الجديدة. وقد قدمت صيحة أرسلان تحولًا هامًا في الفكر الإسلامي من مرحلة (الجمل) إلى مرحلة (الأسد)، من تقليد أعمى للغرب وإقبال متحمس عليهم بلا فرز ولا تمييز، إلى نظرة نحو الآخر الخارجي كمصدر لكل المشاكل. لكنه في الوقت ذاته تسبب في إجهاض التحول من (الأسد) إلى (الطفل) لمدة قرن كامل في العالم الإسلامي. أي اللحظة التي يطور فيها المسلمون نظرية معرفة جريئة تعيد بناء الأفكار استجابة لضغوط العصر دون انحباس في أفق الآخر إما بتأييد أعمى وتقليد سطحي (الجمل) وإما بغضب ممض واستياء عريض (الأسد).
ظل المشروع الإصلاحي الإسلامي الحديث عالقًا بعناد في مرحلة (الأسد). أسد جريح يقود تمردًا شرسًا يستمر في قولة لا بلا توقف منذ قرن مضى. وهو أسد معضل لأنه الأسد الوحيد الذي يعيش حياته الأسدية مختارًا في قفص استياء من صناعته الذاتية. لم يزل العقل المسلم يرى كل اكتشاف علمي أو تحول سياسي في الغرب نقطة بيانات إضافية للإمعان في إذلاله.
كان إحباط أرسلان من أن 400 مليون مسلم لم يقدروا على مجاراة 20 مليون يهودي في صندوق فلسطين -ولاحظ معي أن المقارنة قد حصرت قيمة الأمة في قدرتها على التعبئة المالية والعسكرية لا في تفوقها القيمي والأخلاقي والديني. والحقيقة، أننا للوصول إلى مرحلة (الطفل) ينبغي أن نخرج جذريًا من سؤال أرسلان الذي لا يزال يطوق أعناقنا لليوم “لماذا تأخرنا؟”، وأن نبدأ بتبني سؤال “ما الذي يمكننا بناءه؟” ولا يتحقق هذا الانفصال إلا من خلال سلم من الانفصال العظيم.
الانفصال العظيم
كان الإخفاق المركزي في منظور شكيب أرسلان -والعديد من التنظيرات الإسلامية التي تلتها- الخلط بين الدين (الرسالة الإلهية) والأداء التاريخي للأمة (الجماعة البشرية التي تصيب وتخطئ). عندما فشل المجتمع في تحقيق النجاح التي وضعها المستعمر، بدأ مباشرةً بالنظر إلى الرسالة الإلهية ذاتها أنها تتطلب دفاعًا أو تبريرًا. هذا الموقف الدفاعي اختزل الرسالة الربانية العلوية العالمية إلى بنية هوياتية ضيقة، كأنها بروتوبلازم عابر للتاريخ يستخدم كمورد خطابي سياسي لتأكيد الهوية، لا باعتبارها تفوقًا أخلاقيًا وعقديًا فكريًا غير مرتبط بالأشخاص، ولكن باعتبارها بنية مقدسة حلت في الطائفة المسلمة عبر التاريخ بشكل لا يُنتَزَع. وهي أزمة لا فكاك منها إلا بإعادة النظر إلى الدين باعتباره مثالًا كاملًا ومتعاليًا، والتاريخ الإسلامي باعتباره مختبرًا بشريًا واقعيًا يصيب ويخطئ، تجري عليه سنن التاريخ والخطأ البشري.
لا يمثل هذا الانفصال -العظيم- استسلامًا للعلمانية، بل عودة إلى الواقعية الحضارية الأكثر تعقيدًا. تتفق هذه الواقعية مع العلمانية في أن النقاء الأخلاقي الذي يمثله الدين الإسلامي مستحيل عمليًا، ولكنها لا تتوقف عن المكابدة في محاولة محاكاتها والسير على دربها، مع الاعتراف بالقصور البشري في التطبيقات، وبأنه سيعتريه لا محالة حيدة وعودة طالما استمر التاريخ الإنساني. ففي عالم التشكيلات الاجتماعية والسياسية، فإن الحياة تنطوي على سلسلة من الخيارات بين الشرور الكبرى والأقل شرًا، ورحلة مستمرة مع المصالح الذاتية والسلطات التي لا يمكن تقديسها بالكامل لأنها ليست الناسوت الذي تجسدت فيه العقيدة الدينية.
حاول أرسلان وخلفاؤه أسلمة الدولة الحديثة، وقعوا فيما وصفه وائل حلاق بأنها “مستحيلة” بنيويًا. يجادل حلاق بأن الدولة القومية الحديثة ليست أداة محايدة في يد الخير والشر أو الإسلام والجاهلية معًا، بل هي بالأساس البنيوي كيان لا-أخلاقي قائم على خيال الإرادة السيادية. بالطبع نال كل أسرى القفص الأرسلاني من البروفيسور حلاق ظنًا منهم بأنه يسعى للقول باستحالة “محاولة” الشريعة. أما الرجل فهو يخدم في الدعوة إلى ذات الانفصال العظيم، يجادل حلاق بأن أي مشروع يسعى لزرع الشريعة زرعًا -وأعني بالشريعة هنا النظام القائم على الواجب الأخلاقي الكوني- في هيكل الدولة الحديثة، لا ينبني عليه إلا استمرارها واستمرار احتكارها اللا-أخلاقي للسلطة.
يقول حلاق “الدولة الإسلامية، إذا حكمنا عليها بأي تعريف معياري لما تمثله الدولة الحديثة، هي بالفعل دولة مستحيلة وتناقض في المصطلحات في آن واحد”. ويضيف “إذا كانت الإرادة السيادية للدولة هي الإله الجديد في العالم العلماني، فلا إله إلا الدولة”. الدولة الحديثة “لا تسعى لدخول المجال الأخلاقي”، ولا توجب على نفسها “أن تجعلنا صالحين”؛ وكل الحجج الأخلاقية التي تطرحها هي مجرد وسيلة لإلباس الطموح السياسي عمامة وربما لحية. ومجددًا بدأ هذا الفخ مع أمير البيان، فبالنسبة له يرى أن الخروج من “تأخر المسلمين” هو في إقامة دولة كما “تقدم غيرهم” على أن نعلن هذه الدولة دولة الله في الأرض، مما يخضع الشريعة للبيروقراطية العقلانية ويخضع المقدس للمدنس.
ومن خلال محاولة استخدام الدولة كأداة للتغيير الإسلامي المعياري النظامي، قامت الحركات الإسلامية -الحداثية بطبيعتها دون قصد- بتدمير الوكالة الأخلاقية التي سعت هي نفسها لاستعادتها. قام الإسلاميون باستبدال مكابدة الذات الإسلامية بالنضال من أجل احتكار دولة ملتحية ومعممة للسلطة والمعرفة. لذا، تتطلب الواقعية الحضارية نموذج يضمن “عدالة ناجزة” تعمل ضمن قيود التاريخ مع الحفاظ على الدين غير ملوث بفشل آلة السياسة الحتمي، نموذج يسمح بحيازة وظيفية للأدوات الحديثة -التكنولوجيا والإدارة والأساليب العلمية- دون الخلط بينها وبين الجوهر الإسلامي ومحاولة أسلمتها عنوةً بشكل كاريكاتيري. كل ما يتطلبه الأمر هو عقلية طفل يتعلم بلا خجل فنون الدنيا بانخراط “حكيم” يعترف بالإخفاقات التاريخية كأخطاء بشرية بدلًا من جعلها تنال من أصل الرسالة وشريعتها.
نحو إبستمولوجيا جريئة
يقدم الإطار الإسلامي أساسًا للتفاعل مع الإنجازات الحديثة سواءً في الفيزياء النظرية أو علم النفس -الذي لا داعي لأسلمته عنوةً لتقبله- أو النظرية السياسية، دون خوف من الاستسلام الفكري. ليس العلم الحديث “غربيًا”! هو إرث بشري عالمي ساهم فيه المسلمون في عصور نهضتهم، ثم نقله عنهم أعدائهم، واليوم حان وقت إعادة الاستيلاء عليه بلا خوف. يتطلب هذا التحول تنمية فضيلتين علميتين محددتين هما: التواضع المعرفي، والاستيلاء الوظيفي.
يمثل التواضع المعرفي اعترافًا بأن الفهم البشري دائمًا مفلتر ومنظم ومقيد بسياق المراقب. يتجلى هذا التواضع في الدراسة النفسية لمغالطة “النقطة العمياء للتحيز” blind spot Bias -ميلنا للتعرف على عيوب تفكير الآخرين بسهولة أكبر من التعرف على عيوب تفكيرنا. فعندما يعمل المفكر المسلم منطلقًا من حالة من الشعور بالغضب -بل ويحاول أن يتصالح مع هذا تارةً تحت اسم التحيز في فكر د. المسيري وتارةً تحت اسم ما قبل المنهج في فكر أ. شاكر- تصبح النقطة العمياء لديهم تجاه النظرة الاستعمارية مطلقة. يصبح علماء المسلمين هكذا حفنة من الجبناء يرفضون استكشاف مفاهيم جديدة خشية الخطأ، لأن الخطأ في منظور هؤلاء ليس مجرد خطأ تجريبي علمي، بل هو فشل كارثي في هوياتهم، فشل يزيد من حالة “تأخر المسلمين” في حين “تقدم غيرهم”.
أما الاستيلاء الوظيفي فهو القدرة على تبني “الأدوات الحديثة” -من التقنيات الرقمية إلى الأطر العصبية النفسية- مع البقاء واعيًا لنظام القيم الأساسي الذي ينتجها. وهو نوع من الذكاء الاستراتيجي الواجب من أجل تجاوز نوستالجيا الماضي من أجل التفاعل مع العالم كما هو. يعمل هذا الإطار الاستيلائي مستعينًا بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، من أجل استخدام البيانات العلمية بوصفها -حكمة المؤمن أولى بها- ومعراج للتعرف على الله وعمل بوصية القرآن أن نسير في الأرض وننظر، دون تشوف نحو أسلمة هذه المعارف بإلباسها لبوسًا دينيًا يخصم من علميتها دون أن يزيد في تقواها وورعها.
يجب أن تنطلق المعرفة المسلمة -لا الإسلامية- من الإعجاز العلمي إلى البحث العلمي ومن أسلمة علم النفس إلى علم نفس المسلمين ومن مطالبة يوتيوبية بدولة مستحيلة في النظرية السياسية إلى بحث واقعي عن عدالة ناجزة، ومن معارف تجمع الحقائق في صوامع معزولة إلى معرفة تنسج العلوم والفنون والفلسفة في نسيج الوجود.
يرى هذا الإطار أن قواعد الفيزياء والعلوم الإنسانية ذاتها هي قد أسلمت وجهها لله من قبل أن يخلق الله آدم ويخرج ذريته من ظهره ليشهدوا على أنفسهم. فلا يصرف الجهد في محاولات أسلمة العلوم؛ لأنه لا يقبل افتراض أنها غير مسلمة ابتداءً وإن كان من كشف غيبها غير المسلمين. بهذا -وهذا فقط- ينتقل العقل المسلم من صراع (الأسد) من أجل الهيمنة إلى الانخراط الإبداعي (للطفل). هذا ليس مشروعًا للحاق بالغرب، بل لبدء استجابة فعالة تساهم في عصر عالمي جديد من الحداثات المتعددة التي تسهل ازدهار الحضارات.
الزبدة
كان اضطراب الأمير شكيب أرسلان نتاج لحظة تاريخية محدد ومؤلمة. كان أمير البيان رجلًا يراقب عالمه الذي يعرفه يختفي، وسؤاله -”لماذا تأخرنا؟”- كان صرخة ألم. ولكن بعد 100 عام، أصبحت هذه الصرخة هتافًا يغطي على إمكانية الإبداع. لقد حول الرسالة الإسلامية العالمية إلى حصن دفاعي محاصر. هذا الهوس بفكرة الانحدار هو تسميم ذاتي للإرادة المسلمة.
كان اللقاء الأول بين عالم شكيب أرسلان والحداثة مع أولى ضربات مدافع نابليون على الاسكندرية مع حط مراكبه في الشرق للمرة الأولى. كانت هذه ردة فعل المسلم المنهزم على حداثة لم تقدم له إلا الدم والدمار. لكن الحداثة -ربما- كانت لتحمل مشروعًا يحاور الإسلام ويكشف عن ممكناته لو كان اللقاء الأول ربما مع كتابات هيجل أو كانط أو غيرهما.
ربما كان المسلمون ليحبون هذا الحوار، كما أحب ابن رشد مثلًا أرسطو، وكال له المدائح حتى ظُنَّ فيه الظنون. وبالتأكيد كانت الحداثة لتستفيد الكثير أخلاقيًا وعقليًا من الحضارة الإسلامية الواسعة جدًا، باعتبار أن المخزون الحضاري لقرون كثيرة من الحضارة الإسلامية لم يتم التنقيب عن نفائسه بما يكفي، لأسباب لوجستية أحيانًا (لا نقدر)، أو أسباب أيديولوجية (لا نريد).
تقدم الواقعية -إن كانت حضارية- مخرجًا من السجن. يطالبنا أن نتوقف عن تعريف أنفسنا بواسطة “تأخرنا” وأن نبدأ بتعريف أنفسنا بـ”مسئوليتنا”. يتطلب ذلك منا نزع قدسية الدين عن مأساة التاريخ وعن مشاريع الأدلجة المسماة زورًأ وبهتانًا علومًا. بشيء من الابستمولوجيا الجريئة والتواضع المعرفي. يمكننا أنأن نسد فجوة التنوير التي قسمت العالم إلى موضوعي مادي وذاتي روحي بلا محاولة استعادة ماضي أسطوري ربما لم يتحقق أبدًا أو حداثة إسلامية مفلسة.
في عصرنا الجديد الذي يمتاز بحداثاته المتعددة، ربما يمنحنا تجاوز الحالة الأرسلانية التي تقول لا للحداثة مطلقًا تحولًا في حالة رسالة الإسلام من حالة محاصرة إلى جسر لمستقبل بشري مشترك. قد يكون أمير البلاغة قد بنى القفص، لكن الأوان قد آن للخروج منه طفلًا متواضعًا يتعلم العلم من مظانه، ولكنه يستولي على أدوات الحداثة لأنه أولى الناس بها.
في النموذج الأرسلاني تصورًا أبوكاليبتيًا يجعل من عصر الحداثة حدثًأ عرضيًا مخالفًا لسنن التاريخ، تصورًا يرى أن وجود المسلمين الحاليين في مركز الكون السياسي والحضاري هو الحالة الصحيحة الوحيدة، بالرغم من مخالفة ذلك لصريح النص القرآني -“وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم”. لكنه إحسان الظن بالذات، والرغبة الإبليسية في افتراض الخيرية في الذات مطلقًا بلا اقتران هذه الخيرية بشرط العمل والسعي.
يرى كبلنج الشاعر الانجليزي أن:
“الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا أبدًا”
ويساهم التصور الأرسلاني في توطين هذا الفهم بجعل البشرية منقسمة بين شرق وغرب يكون فيه الإسلام مشروع شرقي لا مشروع العالمين، والحداثة مشروع غربي لا علوم تحكمها قوانين رب العالمين.








*الخلفية الدرزية في اللاواعي للأمير ..
النمط الشيعي المعتاد بعد موت "الإمام" . . ❤️❤️
جبار ❤️❤️