للاطلاع على المقالات السابقة:
في كتابه (الشغف والمعضلة: المثقفون يواجهون مسألة القومية) يصف جوان كوكس القوميون بأنهم “يقومون ببناء وإعادة إنتاج فئة أكبر بكثير من مجموع أجزائهم، كيان مسبق (priori) ، ربما خليفة علماني للدين ، مشبع في بعض الأحيان بالصفات الروحية”. تتحدى بعض الحركات القومية هوية الدولة وهياكلها، في حين تتصالح بعضها مع هذا الهيكل وتعمل من خلاله، حتى إذا ما نجحت الحركة في الوصول الاستيلاء على الحكم في الدولة من خلال حزب سياسي قومي مثلًا فإنها تبدأ في الذوبان داخل هيكل الدولة، “ويتحول تركيز الولاء من الأمة إلى الدولة” وتختفي الحركة تمامًا، حتى يحدث احتياج في زمن لاحق لظهور الحركة القومية من جديد لتجديد الحراك المجتمعي أو احتياج الدولة لمواجهته من خلال حركات صديقة لها حسبما يجادل ووكر كونور في كتابه (القومية العرقية: البحث عن التفاهم).
في هذا الجزء نتحدث عن مثال لنوع من القومية التي قدمها المفكر الشامي أنطون سعادة وكيف أنه بالرغم من إخفاق حركته في الاستيلاء على حكم سوريا والبقاء فيه إلا أن أفكاره بقيت في سوريا بعد إعدامه لعقود.
إذا قيلت كلمة (الشام) فالذهن ينصرف للبلدان التي كان العرب يسمونها شامًا وهي المناطق الواقعة شمال الحجاز العربي، وهذه المناطق وإن كانت غير محددة بدقة إل انها بشكل عام متعلقة بالبلدان الواقعة على ضفتي نهر الأردن وفروعه وهي (فلسطين، والأردن، وسوريا، ولبنان). وهي منطقة كانت عبر التاريخ دائمًا كيانًا واحدًا يسكنه نفس العرق ويتحدث نفس اللغة، في حين ينفي البعض الآخر هذه الوحدة تاريخيًا (جورج قرم مثلًا يرى بأن هذه الوحدة لم تحدث عبر تاريخ الشام إلا في القرن الذي حكمه بنو أمية فقط).
وبغض النظر عن صحة أحد الرأيين (أو خطأ كليهما) فعندما دخلت الجيوش الفرنسية إلى الشام في سبتمبر 1920 وحتى استتب لها الأمر في مارس 1923 اختار الاستعمار الرواية الثانية (لمصالحه الاستعمارية) فقام بتقسيم بلاد الشام إلى 6 دول هي (لبنان - دمشق - حلب - جبل الدروز - منطقة العلويين في اللاذقية وما حولها - سنجق اسكندرون)، وبالتزامن قرر الاحتلال البريطاني بإيعاز من تشرشل في الجنوب قسمة الأراضي الواقعة على ضفتي نهر الأردن إلى دولتين يحكم الابن الأكبر للشريف حسين الملك عبد الله الأراضي الشرقية ويتم إهداء الأراضي الغربية لقمة سائغة للاحتلال الصهيوني. وبطبيعة الحال اختارت المقاومة القومية للاستعمار الرواية الأولى. فإن استثنينا الأصوات اللبنانية الانفصالية فقد كان العرب من سكان هذه المناطق ينادون بإحدى قوميتين: الأولى هي القومية العربية التي تنادي بوحدة العرب كلهم، والثانية هي قومية (سورية الكبرى). كان “(نبي) القومية السورية في هذه الحالة هو أنطون سعادة” كما يصفه الصحفي البريطاني باتريك سيل.
ولد أنطون سعادة في لبنان عام 1904 وعاش فترة في البرازيل تعرف فيها على أفكار المستشرق الفلمنكي هنري لامنس حول القومية السورية، ولما عاد إلى موطنه بدأ التبشير بالقومية السورية حتى أعلن تأسيس حزب السوري القومي الاجتماعي في الجامعة الامريكية في بيروت عام 1932، بلغ أعضاء الحزب في عام 1938 ما يناهز الخمسين ألف عضو؛ الأمر الذي دفع السلطات الفرنسية (التي تخوض في نفس الوقت حربًا عالمية ثانية طاحنة) إلى التضييق عليه باستمرار مما دفعه للهرب من الشام والعودة إلى البرازيل، ثم عاد إلى لبنان بعد انقضاء الحرب في سنة 1947 وتورط في مؤامرة فتم إلقاء القبض عليه في سوريا وتسليمه إلى لبنان بمعرفة الرئيس حسني الزعيم وإعدامه في عام 1949.
وكما يحدث مع شخصية أيقونية أخرى في مصر من نفس السن ومر بنفس الصعود السريع ثم الوفاة المفاجئة تقريبًا (هو حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين) فإن أفكار الاثنين لم تتحول إلى الشكل الذي يشكل سياسات الدولة إلا بعد وفاتهما؛ وبسبب تسليم حسني الزعيم إياه إلى لبنان قام العقيد أديب الشيشكلي بالتعاون مع سامي الحناوي بتدبير الانقلاب على حسني الزعيم في نفس الشهر، وبعد إعدامه رميًا بالرصاص تروى القصص حول حمل أديب الشيشكلي قميص الزعيم الملطخ بالدماء إلى زوجة سعادة.
وبالتشابه مرة أخرى مع النموذج المصري، فبالرغم من وصول المتعاطفين مع أفكار سعادة لسدة الحكم في سوريا إلا أنه مع تتابع الانقلابات في سوريا تم حظر الحزب تمامًا وتجميده في عام 1955 (بعد حادثة اغتيال اتضح لاحقًا أنها من تدبير المخابرات المصرية التي رأت في أجندة القومية السورية خطر على أجندة القومية العربية)، وظل الحزب ممنوعًا من العمل ومقموعًا في سوريا حتى تم الصلح بينه وبين نظام بشار الأسد في عام 2005، وتحول بعدها إلى ذراع من أذرع النظام في السياسة ثم في القمع والحرب الأهلية بعد 2012، حيث تم الإعلان رسميًا عن مشاركة جناحه العسكري (نسور الزوبعة) إلى جانب قوات النظام وميليشيات حزب الله في حرب من أسموهم بالمتطرفين، حتى قرر الأسد ضم هذه الميليشيات إلى الجيش العربي السوري في عام 2019. وبعد التحرير في 2024 كان موقف الحزب مترقب لما سيأتي تاليًا
لم يحكم سعادة إذن ولا حزبه ساعة من نهار في سوريا، وكان في الغالب يُعامَل باعتباره الأيديولوجيا المعاية للقومية العربية التي لم يعلُ صوتًا فوقها في مصر وسوريا حتى هزيمة 1967 تقريبًا. إلا أنه وحسب رأي الباحثين ديفيد روبرتس وإيال زيسر “أفكار أنطون سعادة وحزبه شكلت أفكار معظم أعضاء حزب البعث الحاكم المستقبليين في فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، كان بعضهم (وفقًا لدانيال بايبس وباتريك سيل المتخصصين في سوريا الأسد) من أقرب المقربين من أقارب ومستشاري الرئيس السوري القادم الشاب حافظ الأسد. وسيظهر وفقًا لهما هذا جليًا في خطاب الأسد الذي تتناقص فيه العروبة وتعلو فيه القومية السورية خصوصًا بعد إخفاق القومية العربية في 1967 ثم انهيارها تمامًا في القطر المصري باتجاه الرئيس المصري لاتفاقية السلام منفردًا مع الكيان الصهيوني في 1977؛ وجد الأسد في أفكار أنطون سعادة ملاذًا للتأكيد على (سوريا الكبرى) مرة أخرى بشكل أكثر خصوصية من فكرة (القومية العربية) العامة
فما هي الأفكار الرئيسة لأنطون سعادة؟
في وجهة نظر سعادة فإن سوريا الكبرى لا تقتصر على سوريا ولبنان وفلسطين والأردن بل تمتد كذلك لتشمل الجنوب الشرقي من تركيا وشبه جزيرة سيناء بل وجزيرة قبرص. وفقًا لباتريك سيل فإن سعادة لم يعتبر (العرب) يومًا أمة واحدة، في مقابل تأكيده على القومية السورية، ومع استبعاد العرق والدين واللغة في تشكيل هوية الأمة (نظرًا لاختلافها الشديد بين سكان سوريا الكبرى)، بل هذا التنوع والاختلاف هو ما يكسب شعب سوريا الكبرى تفوقه على بقية الشعوب العربية؛ إلى الحد الذي يعتبر فيه اندماج سوريا مع بقية الشعوب العربية (تراجعًا اجتماعيًا حادًا) ستختسر منه البلاد سياسيًا واقتصاديًا بأكثر مما ستكسب، لا يمكن لهذه الأمة أن تكون عربيةً خالصة أو أوروبية خالصة. فهي تحمل مهمة الجسر بين الأمتين التين تتفوق الأمة السورية عليهما بكل تأكيد، بالرغم من خصوصيتها الحضارية التي تجعلها أمة مفارقة لكليهما تمامًا (كما يصف ألبرت حوراني أفكار سعادة في كتابه الفكر العربي في عصر النهضة)
قد ترى معي إذًا في أفكار سعادة هنا تشابهًا ما مع خط طه حسين في مستقبل الثقافة في مصر حين أكد على الهوية (البحر-متوسطية) لمصر بما يجعلها جسرًا بين الشرق والغرب، أو أحمد لطفي السيد حين قرر أن الهوية الفرعونية هما ما يحدد مصر. وقد أستجيب لرؤيتك لهذا التشابه لولا أن أنطون سعادة ليس أستاذًا جامعيًا أو كاتبًا أدبيًا فحسب. بل هو ترأس حزبًا انخرط تحت لواءه أكثر من 50 ألف سوري ولبناني كان له جناح عسكري يباشر القيام بعمليات عنف في الداخل السوري لسنين، وبالنظر لبرنامج هذا الحزب ومبادئه الأولى مثلًا نجده في ذكره لمبادئ الحزب يردد شعارات التصقت بالوجدان السوري حتى لتكاد تكون تراها بعينك اليوم بعد وفاة سعادة بثلاث أرباع القرن مثل (سوريا للسوريين - المسألة السورية هي مشكلة قومية مستقلة، ومن الضروري لحلها ترك كل القضايا الوطنية الأخرى خارج الاعتبار - المسألة السورية هي شأن خاص بالسوريين ولا يحق لأي غير-سوري التدخل فيه - وحدة الشعب السوري قائمة منذ فجر التاريخ وليست مفتعلة أو حديثة - مصلحة سوريا تعلو فوق كل مصلحة)
انتقلت أفكار سعادة إذن منه إلى المقربين من حافظ الأسد، ومنهم إلى الأسد ذاته في رأي مراقبين عدة. ويمكننا بشيء من التجوز مد الخط على استقامته لنرى مثلًا كيف صيغت فكرة القومية هذه إلى الشكل الذي جعل التنظيم الجهادي الأكبر في العالم الذي يحمل لواء (الجهاد الأممي) يغير هويته فقط في سوريا بالتأكيد على هوية سورية قومية ما لا تسمح لأي غير سوري في الانخراط بداخلها، ونرى كذلك تأكيدات مستمرة على أن القضية السورية هي أسمى من حتى القضية الفلسطينية ذاتها؛ الأمر الذي حدا ببعض نشطاء الثورة السورية إلى الاحتفال بضربات إسرائيلية على الجنوب اللبناني الذي يسيطر عليه حزب الله
تنويه مقاطع 9: لا تقتصر سكنى الجنوب اللبناني على حزب الله وأنصاره، إن كنتَ ترى أن الاحتفاء هو بقتل من شاركوا في سفك الدماء على الأراضي السورية فقط بالمناسبة.
تنويه مقاطع 10: الاحتفاء بأي ضربات إسرائيلية هو سلوك منحط. فإن كنتَ تنكره على فاعله فلا يلزمك الاعتراض على إنكاري له كذلك هنا، فليس الكلام موجهًا لك. وأرجو كذلك ألا تعود عليّ بجدالات من نوع (ماذا عن ..؟ What aboutism).
إن أفكار سعادة والتي أسمها المراقبون بالشوفينية السورية Syrian Chauvanism أو السوريانية Syrianism، قد تنقشع الغمة في سوريا لتكشف عن تشكلها في صورة جديدة تجمع الولاءات على أساس الموقف من الثورة السورية (الصدام مع السلطة القومية كحركة قومية) مما قد ينتج لنا بامتياز شكل من أشكال السوريانية الجديدة neo-syrianism ويكون ما نشهده اليوم من إرهاصات هو مقدمة لهذه الأيديولوجيا، المستعدة لإعادة صياغة التاريخ ليكون تاريخًا جديدًا مشتركًا لأهل القومية السورية، فما هي الأداة التاريخية التي قد تستعملها القومية الجديدة في إعادة قراءة التاريخ المشترك؟





قطعها الكتب
اولا :الفكر القومي استورده المسيحيون من اوربا حيث تبنى القوميون السوريون العقيدة النازية اما ميشيل عفلق فثد اتى بفكر ثائر ايطالي لا اذكر اسمه و اتحفنا بحزب البعث.
ثانيا: القومية كدعوة كانت غريبة عن شعب المنطقة و هويته تامل مثلا في مكانة الامير عبد القادر الجزائري كواحد من زعماء دمشق نهاية القرن التاسع عشر لكنها نجحت عبر ثلاث قضايا
الاولى انها السبيل الوحيد امام الاقليات للوصول الى حكم الاكثرية المسلمة
الثانية الحقد الطبقي كون البعث تبنى الاشتراكية
الثالثة رغبة المسلمين بالتحرر من قيود العادات المحافظة و رفضهم ضمنيا لاستمرار صبغ الهوية بالتدين و هذا ينطبق على الشخصيات المصرية التي ذكرتها.
ثالثا: الوضع الحالي بعيد جدا جدا عن اي فكر قومي او ديني او علماني
هناك فكر ترندي يصعد و يهبط مع بورصة الفيس و الفرح بقصف الشيعة او الاصرار على الانتماء الاموي هو رد فعل طبيعي بعد عقود من امتهان التحالف الفاطمي للسنة بقيادة النصيرية