النيو-سوريانية 2
حالة الصدام المنتجة للقوميات
للاطلاع على المقال الأول
1النيو-سوريانية
في أحد حوارات التواصل الاجتماعي التي لم تبدأ ولما تنتهي خضت نقاشًا مع صديق سمته الرئيسة التي يحب أن يعرف نفسه بها هي (مناصر للثورة السورية) حول الخلافات حول الأضرحة في مصر، فــ .. .
عبر التاريخ المعاصر كانت النظرة تجاه القومية nationalism محسومة من جهتين؛ الجهة الأولى هو وصفها باعتبارها توجه أيديولوجي يؤكد على الانتماء الفردي تجاه دولته القومية بغض الطرف عن مصالحه الفردية أو الجماعية الأخرى المخالفة للمصلحة القومية. أما الجهة الثانية للنظرة التاريخية للقومية هي جهة صدورها، فالقومية في النظر التاريخي حراك بدأ أوروبيًا فيما بعد العصور الوسطى؛ في انجلترا وفرنسا مثلًا بعد ثورتيهما أما في باقي أوروبا فيمكن الإشارة إلى ثورات الربيع الأوروبي في العقد الثالث من القرن التاسع عشر (1830 ونيفها).
نعم ستنطلق الفكرة إلى خارج أوروبا من خلال مستعمراتها بعد الحرب العالمية الأولى مثلًا في المستعمرات البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط (يمكنك مراجعة هذه الثورات المتتابعة في سفر داود فرومكين المسمى سلام ما بعده سلام) بدأت الحراك في 1919 ولم ينته إلا في 1923 تقريبًا بإفقاد بريطانيا وفرنسا كثير من نفوذهما في المنطقة، وإن كان الاستقلال (العسكري) التام عنهما تم بعد ذلك بعقود. كما ظهرت القوميات كذلك في أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء في سنوات متتابعة من القرن العشرين ربما لم تنته تمامًا حتى لحظة كتابة هذه السطور. بطبيعة الحال كانت هذه (القوميات) غير الأوروبية أقل تهذيبًا وانتظامًا من القوميات الأوروبية المرتبة والنظيفة والشقراء الأمر الذي حير دارسيها؛ لدرجة حملت بعض الباحثين لوصفها بأنها قومية مائعة (أو سائلة إن شئت تعبيرًا أكثر تأدبًا).
تنويه مقاطع 7: أعني هنا الباحثان جان زاهوريك وأنتونيو مورون في مجلد (تاريخ القوميات خارج أوروبا) وهو عدد من موسوعة دراسات بالغريف في التاريخ السياسي. والموسوعة بعموم تؤكد على هذا المعنى، في الوقت الذي كانت فيه القوميات في تاريخ أوروبا كلاسيكية وواضحة، فإنها خارج أوروبا “تتغير عبر الزمان والمكان، وتميل إلى التأثر بمجموعة من العوامل التي قد تشمل (وقد لا تشمل) البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسة والدين والسياق الدولي، وغيرها الكثير.” وهي نظرة يشترك فيها معهم كثير من الباحثين في القوميات أمثال سيريل جايات وبيتر ستيرنز وآخرين.
لكن الكاتب الأسترالي (جيمس جودمان) يجادل في مقالته (القومية كحركة اجتماعية) في تحليل القومية في إطار مختلف لا يقدمها في الإطار الأيديولوجي السياسي لكن في سياق (الحركة الاجتماعية)، الأمر الذي يبحث القومية لا باعتبار (الأفكار المؤسسة لها) وآراءها الاقتصادية والهوياتية، ولكن في إطار كيف تشكلت هذه الأفكار وصيغت وتملكت من الجماعة القومية بالأساس. تعد مقالة جودمان مقالة ثورية في بابها ومحاولتها تفسير القومية.
تنبني مقالة جودمان على أطروحة قدمها مايكل فريدين تشكك في كون القومية Nationalism أيديولوجيا واضحة من الأساس بناءً على أن الحركات القومية حينما تنزل إلى المعترك السياسي التنافسي أمام أيديولوجيات متجاوزة للقوميات الضيقة (مثل الإسلامية، الاشتراكية، الشيوعية) فإنها تكون الأضعف في عالم الأفكار والأكثر غموضًا في توفير إجابات للأسئلة الفكرية، لكنها بالرغم من ذلك (أو بسبب ذلك أصلًا) تكون أكثر هذه الأيديولوجيات قدرة على التكيف مع الواقع المحلي وتقديم نفسها بما يناسبه ويناسب الرأي العام، لذلك تلجأ الأيديولوجيات القومية لأن تكون وعاءً vehicle يحمل أيديولوجيات أخرى بداخله وتصطبغ أفكاره بها، فقد تكون القومية في أحد البلدان ليبرالية، وفي الأخرى فاشية، تناهض الاستعمار وتناضل ضده في بلد، وتنتهج الاشتراكية في بلد أخرى. وبالطبع في حالة سوريا الشرع فهي قومية إسلامية هواها أموي ما لها شرف.
تكسب هذه المرونة الأيديولوجيا القومية سمتين هامتين جدًا، وهي أنها تشكل تكيفها الاجتماعي وتبنيها لأيديولوجيا ما هذا من خلال التصادم مع خصم الحركة الاجتماعية القومية (نظام الدولة المركزي الذي يكون هو كذلك قوميًا في الغالب)، وأن تكون درجة ظهور نقاء النبرة القومية Nationalistic من الأيديولوجيا تتحدد بحسب حجم هذا الصدام؛ فكلما كان هذا الصدام صفريًا وضخمًا ومهددًا (ثورة شعبية تفشل ثم تتحول إلى حرب أهلية وإقليمية ودولية مثلًا) وتتهدد به الجنسية بذاتها nationality، كانت النبرة القومية أعلى صوتًا من التنظير الأيديولوجي المحمول في داخلها. الصراع الشرس إذن ما بين الدولة القومية يولد حسًا قوميًا أعلى في الحركة الاجتماعية المقاومة لها، “فالقومية تولد القومية، ولكن ليس من نفس اللون”.
في هذا الإطار إذن يمكننا توسيع النظرة إزاء القومية باعتبارها شكل من البنية الفوقية Supra-structure بتعبير جرامشي، لا يكون هو بذاته أيديولوجيا ولون معرفي بقدر ما يكون صفة تتسم بها هذه الأيديولوجيات والحركات الاجتماعية، وهو ما يعبر عنه بنبرة متحسرة مثلًا إيريك هوبسباوم في كتابه (عصر التطرف) بقوله “أقوى الحركات الاجتماعية في القرن العشرين قد اعتنقت القومية” معللًا ذلك بـ”الجوع لهوية آمنة ونظام اجتماعي في عالم يتفكك”.
ومن مدخل هذه الاصطدامات المنتجة للقومية يتم وصف الحركات القومية بأوصاف 5 هي ما يلي:
مركزية الأمة والافتراض الذي ينطلق من أن الهوية القومية تؤطر كل الهويات الأخرى، والافتراض المسبق أن العالم يتكون من شعوب ولكل شعب منها الحق التام في الحكم الذاتي دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى.
الإقليمية terretoritality وهو إيجاد علاقات أنساب محددة إقليميًا لمجموعة في منطقة إقليمية ما لإضفاء الشرعية على أجندة الحركة القومية المذكورة.
تعتبر القومية نفسها ملاك التاريخ angel of history ، فهي تنظر للتاريخ الماضي باعتباره أداة لتفسير المستقبل وتعمل في الذاكرة عمل البستاني من خلال ما أسماه رينان فقدان الذاكرة المقصود، أو أسماه بندكت أندرسون عملًا فذًا من التخيل.
الحركات القومية تذيب كل الفئات في فئة الأمة أحيانًا وتحارب الانقسامات الطبقية والعرقية داخليًا، مع التأكيد على وجود هذه الاختلافات والانقسامات خارجيًا وتغذيتها لبناء حدود واضحة بين “نحن” و”هم”.
وقلنا في النقطة السابقة (أحيانًا)، لأن بعض أنواع الحركات القومية كذلك لا تعمد إلى إذابة الفوارق الداخلية بل إلى التأكيد عليها داخل مجتمع متفكك تأكيدًا على نزعة انفصالية قد تكون عرقية أو دينية أو حتى لغوية. فبعض الحركات القومية تشترط لعضويتها شروطًا قد تتضمن الانتماء لقبائل بعينها أو التحدث بلغة موحده أو حد أدنى من مدة الإقامة في الإقليم، أو بطبيعة الحال تبني موقف واضح من حدث سياسي مفصلي مثل (ثورة أو حرب أهلية).
ومن النقطة الخامسة تنشأ الحالة التي يعرفها بندكت أندرسون بالقوميات بعيدة المدى في الشتات، أي وجود أشخاص منتمون لقومية ما وجدانيًا بانطباق شرط الولاء عليهم بالرغم من الوجود الإقليمي خارج حدود الدولة القومية. الشعوب المتحدثة بالتركية خارج إقليم تركيا مثلًا، الشعوب التي تدين بالولاء لحركة تحرر وطني ما رغم عدم انتماءهم لنفس قوميتها. وبالتأكيد قد يكون وجود أنصار لثورة شعب ما من غير أبناءه نموذجًا لهذه الحالة.
تنويه مقاطع 8: ما يشير له بندكت أندرسون في العنصر السادس هنا مذكور في كتاب آخر غير كتابه الأشهر (الجماعات المتخيلة) المنشور في 1991، فهو مذكور في كتابه الأقل شهرة (والأكثر أهمية في رأيي) شبح المقارنات: القومية وجنوب شرق آسيا والعالم المنشور في 1998.
وتأسيسًا على ما سبق نستغرق في إثارة الأسئلة حول الحالة (السورية) التي يعلو يومًا عن يوم الصوت السوري بها مطابقًا لبعض العناصر السابقة أو كلها. للبحث حول إمكانية أن تتشكل هوية قومية سورية جديدة منبثقة عن الثورة السورية، أحببنا أن نسميها السوريانية الجديدة neo-syrianism تمييزًا لها عن القومية السورية التقليدية التي سنبدأ بالحديث عنها هنا، تأسيسًا لإثبات وجود جذور هذه القومية في النظام بشكل ينقلها (من خلال الصراع) إلى أذهان الحركة الاجتماعية المقاومة له تطبيقًا لمقولة جودمان في المقالة “القومية تولد القومية ولكن ليس من نفس اللون”.



