لعل لفت انتباه العالم إلى ملاحم هوميروس في الإلياذة والأوديسة فرصة للفت انتباه القارئ العربي لمترجم نحرير ومحرر عبقري هو دريني خشبة (1903-1964)، وهو وفاء -مني على الأقل- للرجل الذي تعرفت على هذه الملاحم بعينيه وأذنيه. وكلما كبرت أعدت قراءة تراثه بمزيد إكبار وانبهار، والمرء يكون ممتنًا لمن يقرأ لهم صبيًا إن عاد لقراءتهم كبيرًا فلم يصب خيرًا، أما إن عاد لزيارته كبيرًا فزاده إبهارًا، فهذا عبقري، وهذا الدريني خشبة.
كيف تعامل مع الفروق الثقافية واللغوية واللاهوتية بين الأساطير اليونانية متعددة الآلهة والقراء العرب المسلمين؟ وكيف قدم الملحمتين نصوصًا نفسية ودرامية وإنسانية؟ كيف اختار أساليبه ومفرداته وأسجاعه بوصفه نموذجًا للترجمة والإيعاب الثقافي؟ بوصفه نموذجًا لما يُعرَف بتحديث الأساطير Methological Modernization أصلًا في عصر النهضة العربي؟
يعمل دريني خشبة ببراعة على فصل الأسطورة اليونانية عن اللاهوت متعدد الآلهة معيدًا صياغتها كدراما إنسانية عالمية ورابطًا التراث الكلاسيكي اليوناني بالنقاش الفكري العربي الذي دار في منتصف القرن العشرين وقت ترجمته لأعمال هوميروس. استخدم كذلك تقنيات تلخيص القصص والنثر الدرامي لتسهيل الوصول إلى الأدب العالمي، وبالتالي نجح في حل القيود الجمالية واللغوية التي تعيق النماذج الترجمية المبكرة السابقة عليه المتقيدة بالترجمة النصية.
ساهمت أساليب خشبة في إعادة إحياة الثقافة العربية من خلال إثبات قدرتها العبقرية على إيعاب الثقافة العالمية. كان مترجمو أعمال هوميروس قبل دريني خشبة أمثال سليمان البستاتي شعرًا أو أمين سلامة نثرًا محاولات ترجمة تحيي تراث عصر النهضة الأوروربي. أما محاولة دريني خشبة فكانت محاولات ترجمة تخدم اللغة العربية والمكتبة العربية مع مزيد إجلال للنص النهضوي الكلاسيكي اليوناني.
في أربعينيات القرن الماضي كان العميد طه حسين يسعى إلى إرساء إنسانية معتدلة -علمانية بالطبع لكن لهذا سياق آخر- تتمركز على تراث البحر المتوسط كمحور للهوية المصرية الحديثة. وفي عام 1942، قام وزير المعارف العميد بتعيين دريني الشاب في قسم الترجمة كتطبيق لمشروعه الفكري الذي بلوره في كتابه المثير للجدل (مستقبل الثقافة في مصر 1938).
لم ينظر الثنائي العميد الوزير والمترجم الشاب إلى الثقافة الهلنستية على أنها متعة فكرية غربية أو عالمية أو حتى حداثية، بل عملًا من أعمال استعادة الهوية الثقافية المصرية -ولك أن تختلف مع هذا كما تشاء- ومن هنا بدأ دريني يوسع المكتبة الثقافية للجمهور المصري، قبل أن ينتقل إلى موقع آخر عام 1944 في معهد الدراسات المسرحية محاضرًا في تاريخ المسرح والأدب المسرحي.
المسرح كذلك هنا ليس غريبًا عن السياق الذي نحكيه، فالمشهد المسرحي كذلك شهد توسعًا غير مسبوق، وسعى مؤلفون مسرحيون من لدن توفيق الحكيم، وعلي أحمد باكثير ثم الراعي إلى إيجاد نماذج درامية كلاسيكية لإثراء التقاليد المسرحية العربية الناشئة. لم تكن ترجمات البستاني 1904 للإلياذة ممكنة التقديم على المسرح بلغتها الصعبة على الفهم والتمثيل.
واجه دريني خشبة إنسانيًا أزمة في فترة العزلة المهنية التي مر بها في السودان -وللسودان في إثراء وجدان المثقفين المصريين قصص كثيرة- إذ عانى مما وصفه في شعر البستاني بالكآبة والسآمة، ما دفعه إلى مخالفة أسلوب البستاني. سعى خشبة إلى إطلاق أعمال هوميروس من هذا الإطار الضيق وتقديمها بأسلوب يتناسب مع خيال القارئ المعاصر. لذلك قدم ترجمته للأوديسة في عام 1945 مدفوعًا بقوتين: الدعم الحكومي من أعلى الراغب في تطوير مناهج الدراسة، والاحتكاك العملي اليومي للفرق المسرحية من أسفل.
يجادل علم النفس الأركيتيبي لكارل يونج -الذي لا أحبه- أن الأساطير ليست مجرد نصوص دينية قديمة فحسب، وأن النظر إليها يتطلب نظرة أكثر تركيبية ترصد فيها اللا-وعي الجماعي وتعكس التجربة الإنسانية: النفي، العودة، الصدمة النفسية، الخيار الأخلاقي. من خلال فصل الأساطير اليونانية عن الطقس الديني المرتبط بها، واعتبارها كما يصف “نشيد الماضي وقصيدة السلف” تمكن خشبة من التغلب على العقبة الميثولوجية التي تواجه القارئ الموحد لله عز وجل، صور خشبة آلهة الأوليمب بشرًا، تمامًا كما لم يعانِ القارئ الأوروبي في تصورهم -لكونه أبعد عن الإطار التوحيدي وأقرب للفهم الحلولي- وفسر سلوكياتهم من خلال منظور علم النفس والدراما الأخلاقية.
في مقالته التي نشرها عام 1939 بعنوان “هوميروس” الذي نُشِرَ في مجلة “الرسالة” جادل خشبة بأن القوة الدائمة لملاحم هوميروس -وأوافقه في ذلك- تكمن في قدرته على استخدام الآلهة -ولنسمهم الجبابرة في باقي المقالة- استخدمهم رموزًا درامية للنفس البشرية، مما يزيح نسق التفسير المركزي عن دائرة العقائد إلى الدراما.
توضح لورنا هاردويك وشارل مارتينديل بأن استقبال الكلاسيكيات الأوروبية في عالم ما هو خارج الهيمنة الأوروبية يعد شكلًا من أشكال التسلط الغربي وأداة من القوى الاستعمارية الأوروبية لإثبات الهيمنة الثقافية، تقديمًا لتراث اليونان والرومان بوصفه الأصل الحصري والخطي لغرب أوروبا الحديث -لتميم البرغوثي شاعر العصر فيديو جميل في تقديم هذه الفكرة.
في الحقيقة، لا تمثل ترجمة دريني خشبة وراعيه طه حسين تمثيلًا لهذه الهيمنة، بل استطاعا -في رأيي- من إخراج هذه الأعمال عن نطاق هيمنتها الأوروبي مستعيدين التراث المتوسطي -كما يسميه العميد- جزءًا من التراث الإنساني المشترك، معتبرين العالم العربي قائمًا بدوره الأبدي الحضاري في حماية هذا التراث وخدمته ونقله إلى البشرية جميعًا.
يمكن تلخيص عمل دريني خشبة في ترجمة الملاحم في 3 مراحل امتاز فيها جميعًا: الأولى هو مراعاة الاختلاف الديني بين وثنية هوميروس وتوحيده. وبدلًا من المحاولة السلفية لتجاهل الجوانب الدينية من روايته أو تشويهها بالكامل، قام خشبة بتفسير نفسي منهجي لهذه الجوانب مدعيًا أن جبابرة الأوليمب هم في الحقيقية تجسيد أدبي لمشاعر الإنسان وعواطفه وعقله.
تتوسل مينيرفا إلى عطارد في الفصول الأولى من الأوديسة من أجل إطلاق سراح البطل أوديسيوس من جزيرة كاليبسو. لا يعرض خشبة الحوار نزاعًا لاهوتيًا بين جبارين، بل كمفاوضات رمزية بين الحكمة (منيرفا) والقدر (عطارد). ومن خلال التركيز على الخصائص الجسدية والعاطفية والإنسانية للجبابرة، استطاع خشبة أن يحول اللاهوت الوثني إلى دراما نفسية شاملة.
أما المرحلة الثانية ففيها يتناول خشبة اللغة الهوميروسية التي تعتمد على الصيغ الشفوية مثل تكرار الأوصاف ومشاهد التضحية والمعارك وسلالات العائلات التفصيلية، يحول خشبة النص الشعري إلى فقرات نثرية مبسطة ومنظمة ويتصرف في حذف التكرارات الزائدة والأوصاف الطويلة التي لا تساهم في تطوير الحبكة الدرامية، ويقدم الملحمة كما هي نصًا مكثفًا يقطر الحكمة تقطيرًا.
في المرحلة الثالثة يؤطر دريني خشبة القصة تربويًا ويفسر النصوص المصاحبة لهذا الإطار، من خلال تقديم ترجماته بمقدمات نقدية تفصيلية لا يستغني عنها القارئ الجاد، وبوضع حواشي توضيحية، فضلًا عن خدمته التراث اليوناني بدراسات تاريخية متعلقة بالموضوع كسفره العظيم ذي المجلدات الثلاثة “أساطير الحب والجمال عند اليونان” الصادر في 1945م.
يقدم خشبة في هذه المقدمات سردًا شاملًا لتطور الأساطير متتبعًا أصولها بوصفها “أحلام الطفولة ومحاولات العقل البشري البدائية لفهم الكون” وصولًا إلى تجلياتها الفنية الراقية في ملاحم هوميروس ومسريحات أثينا. يدافع خشبة عن الوحدة التاريخية لهوميروس في مواجهة النقاد الغربيين الذين يرون أن أعمال هوميروس من تأليف شخصيات مختلفة، ويستند في هذا إلى هيرودوت الذي يثبت أن هوميروس كان عبقريًا واحدًا كتف ملحمتيه خصيصًا ليرددهما الجمهور.
بل يشرح خشبة في مقدماته اختياراته للترجمة، وقواعد التسمية التي اتبعها بالإضافة إلى المعادلات الوظيفية للمصطلحات الثقافية المختلفة. بهذا يتحول العمل الهوميروسي على يد دريني خشبة إلى مادة تعليمية حقيقية ترتفع بذائقة القارئ العربي وتعلمه كيف تكون التحليلات الأدبية المقارنة.
اختار خشبة على سبيل المثال الأسماء الرومانية للجبابرة اليونانية على الأسماء اليونانية المباشرة، لعلمه بأن القارئ العربي تعرف مؤخرًا على الثقافة الرومانية وسيمكنه تصور هؤلاء الجبابرة بسرعة بعكس الأسماء اليونانية. فقد أطلق على أفروديت اليونانية اسم فينوس الروماني، وعلى إيروس اسم كيوبيد وعلى بوسيدون اسم نبتون وعلى أثينا اسم منيرفا وعلى آريس اسم مارس، وعلى زيوس اسم عطارد.
الحق أني أكتب ما أكتب كله، وفاءً لشخص أثرى طفولتي قراءة إرثه من ناحية، وحبًا للقاهرة في الأربعينيات، القاهرة التي كان علمانيوها وإسلاميوها ذوي همة وهم حقيقي، تجد شعاراتهم في حدها الأدنى، وعملهم الأدبي في حده الأقصى، بتتبعك لكل شخص بارز في هذا العصر تشعر بالامتعاض من مثقفي عصرنا المراقيع.
لم يترجم دريني خشبة الإلياذة والأوديسة لأوكسفورد أو السوربون؛ بل كان يترجم لصالح الجيل الأول من المصريين الذين سيتلقون تعليمهم في المدارس الحكومية -التي كانت اختراعًا مبهرًا وجديرًا بالفخر حينها- ويترجمها كذلك للطلاب الذين سيتدربون عليها في معهد الفنون المسرحية. لم يكن هؤلاء قراءً يتلقون تعليمهم فرانكفونيًا أو أنجلوساكسونيًا، لكنهم كانوا ذوي هم حقيقي في بناء مسرح وطني حديث وديمقراطي -ديمقراطي هنا عكس نخبوي أي أنه مسرح للشعب- في الحقيقة كانت ترجمة خشبة بمثابة خطوة نحو تحقيق الديمقراطية الثقافية.
كان عمل خشبة جزءًا لا يتجزأ من المشروع الوطني بحق والثقافي بحق الذي أطلقه طه حسين، تدعمه الدولة ويتحمس له المثقفون لبناء ثقافة وطنية .. علمانية نعم، لكنه كان مشروعًا وطنيًا فعلًا. كان دريني خشبة في مقدماته يستشهد بالجدالات الأدبية بين بيرتون راسكو وجيلبرت موراي، هذا النقل لهذه الجدالات أدخل هذه النقاشات في صفحات المجلات العربي كالرسالة والمجلة الجديدة، لإشراك القارئ العربي في هذا الجدل. لا ينظر خشبة إلى القارئ العربي بوصفه مجرد متلقي سلبي، بل شخص عاقل سيفهم النص جيدًا ثم يحجز مقعده بين هؤلاء النقاد عن جدارة ليقول رأيه وسطهم.
كان دريني خشبة بوصفه مترجمًا أولًا وبوصفه جنديًا في مشروع مستقبل الثقافة لطه حسين ثانيًا ولكونه يعيش مصر الليبرالية ثالثًا أخلق الناس بأن ينهزم وينسحق أمام النص الذي يترجمه، ويجلس منه مجلس التلميذ من أستاذه. لكنه رأى نفسه ندًا يفاد من أنداد. ولا يسعنا ونحن نتعرض لما يقوله أن نتناسى السؤال الأهم: متى انسحقنا وانهزمنا واستحلنا محض مقلدين منبهرين أو أطفال غاضبين لا ثالث لهما؟






لم أقرأ الأوديسة بعد، لكن في أحد المرات التي كنت أنوي فيها البدء في قراءتها وبعد بحث مطول عن أفضل ترجمة، كان من بين التعليقات التي قرأتها أن ترجمة دريني خشبة تعتبر الأسوأ لما فيها من اجتزاء للنص وحذف لبعض أجزائه وهكذا رسا في ذهني هذا الانطباع عن الترجمة. هذا المقال أعطاني منظور جديد للأمر ووضح ما كان غائبا عن ذهني فشكرا لك🙏🏻
استمعت بالصدفة لترجمته صوتيًا، وكنت راغبة في الاطلاع على ترجمة أخرى ولكنني لحسن الحظ لم أجد، كانت ترجمته جميلة وعذبة وسلسة عكس ما سمعت عنها
رحمه الله، ورحم ذاك الزمان