من الحرس الثوري إلى الحرس البريتوري
لماذا لا يمكن إحياء الثورة الإيرانية؟
كتب الصديق العزيز والاخ الأكبر سيف دويدار تحليلًا طموحًا عن الانتقال الإيراني ما بعد خامنئي لافتًا النظر إلى صراع التيارات التي سترث الرجل بين إصلاحيي أنصار هاشمي رفسنجاني وحسن روحاني الموسومين دائمًا بالعمالة الأمريكية، ورجال شبكة الحرس الثوري الذين يمثلهم رئيس البرلمان المتهم بتهم فساد قاليباف، والتيار الثالث المراهن على العدالة الاجتماعية ومنظريه السياسيين والاجتماعيين والذين ارتكزوا خلف الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي ثم خلف المرشح المحافظ الأقل حظًا في انتخابات 2024 سعيد جليلي.
يبسط سيف دويدار في تقريره شبكة أنصار هذا التيار الثالث وأبرز أفكارهم، وعلاقتهم برجل التوازنات الذي عاد إلى مركز الصدارة في إيران من نافذة الطوارئ علي لاريجاني، ناظرًا إلى ما يبشر به هذا التيار من أن تكون الحرب الأمريكية الحالية هي فرصة للثورة الثانية في إيران لإعادة إحياء الإرث الخميني لها بعد أن انطفأ -على حد وصف زعماء هذا التيار-
يرى دويدار في الحرب أداة وجودية للوحدة الوطنية، مراهنًا على وجود كتلة صلبة من أنصار هذا التيار تظهر في ناخبي سعيد جليلي في جولة الإعادة الرئاسية في عام 2024، في حين تظهر فروق نسب المشاركة بين الجولتين الأولى والأخيرة (في الأولى 40% والثانية 50%) اتجاهًا تصويتيًا نحو الإصلاحي الرئيس الحالي مسعود بيزشكيان مما يظهر وجومًا عامًا داخل إيران من هذا التيار الذي يمثل أقل من ربع إجمالي السكان المؤهلين للتصويت، فضلًا عن نسب استعداد قواعدهم لتحمل تكاليف الحرب الطويلة على إيران، والتي بطبيعة الحال لا يمكن مقايستها على صمود إيران شابة الثورة في 1980 في حضور جل رموز الثورة الناجحين بها اليوم وهي تفتقد كل قياديها المبرزين.
إن طالت حرب في طهران فسيمثل الـ50% الصامتون الذين لم يصوتوا على أعتاب حرب وجودية في 2024 إلى جانب من صوتوا لصالح بيزيشكيان أغلبية ساحقة تعارض “لاهوت المواجهة” وأفكار الثورة الثانية. محاولات هندسة الثورة الثانية ستواجه حقيقة أنها تفتقر إلى الدعم الشعبي اللازم لصناعة انتقال ثوري في مواجهة تمكن شبكة الحرس الثوري من ناحية بعد ترتيبات الخامنئي، والتضخم المفرط وانهيار البنية التحتية من ناحية ثانية الذين سيتلوان الحرب.
وبالحديث عن “لاهوت المواجهة” الذي يدافع عنه محمد مهدي ميرباقري المنظر الأول لتيار الثورة الثانية الداعي لتجاوز البراغماتية التي سادت إيران ما بعد الخميني ولاحتضان حالة الصراع الدائم مع الغرب. فإن الافتراض بأن هذا اللاهوت يكتسب زخمًا داخل المؤسسة الكهنوتية الإيرانية هو افتراض خاطئ. تشير الانتقادات الفكرية داخل حوزات قم إلى أن نهاية العالم التي يفرضها تيار ميرباقري يُنظَر لها من قبل كبار رجال الدين في الحوزات على أنها تشكل خطرًا على بقاء مؤسسات رجال الدين أنفسهم.
يجادل هؤلاء النقاد بأن ربط مصير الشيعة بأداء دولة أمنية فاشلة، يضمن الجناح الراديكالي نجاح عملية علمنة المجتمع الإيراني بالكامل بمجرد انهيار الدولة. تصوير ميرباقري كخميني جديد يتجاهل ببساطة الاحتكاك المستمر بين فصيله ورجال قم التقليديين الذين يحافظون على الاستقرار الاجتماعي والديني للحوزات على حساب المغامرات الجيوسياسية للحرس الثوري نفسه فضلًا عن تيار ميرباقري.
الحرب كأداه للتفرقة لا للوحدة
إن الاستخدام البسماركي للحرب كأداة للوحدة الوطنية هو قول مركزي في مقالة سيف دويدار. كانت حرب الاثني عشر يومًا في 2025 بين إيران من جهة والصهاينة والأمريكان من جهة تمثل غاية من قبل النخبة الراديكالية في أن تتحول إلى لحظة “دفاع مقدس” لتطهير الدولة والقضاء على المعارضة.
واجه سكان إيران تضخمًا في أسعار الغذاء بنسبة 75.4% وعجزًا في الميزانية قدره 15 مليار دولار. ولا أتصور أنه ثمة خطاب تثويري يمكنه أن يعوض عن عجز الأب في شيراز أو تاجر البازار في طهران عن إعالة أسرته، لذا فإن الثورة الثانية هي مشروع للنخبة، والنخبة تستخدم لاهوت المواجهة لإخفاء حقيقة أنهم لا يملكون حلًا اقتصاديًا لمشاكل البلاد.
لم يعد الإيرانيون يملكون قائدًا دينيًا طهوريًا كاريزميًا بحجم الخميني أو حتى علي خامنئي، والمرشحون لخلافة الأخير على درجة من الفقر والإفلاس إلى عدم استيفاء الشروط، بل ووجود شبهة محسوبية وتوريث إن كان الخليفة كما تقول التسريبات هو مجتبى ابن علي خامنئي المرشد السابق.
إن الحرب التي بدأت في 2025 بضربات على المنشآت النووية والعسكرية، بالتزامن مع فشل أنظمة الدفاع الجوي s300 التي كان يُظن فيها الأمل الفسيح كانت ضربة في الروح المعنوية الإيرانية مهما نجح الإيرانيون في امتصاصها. كانت الضربات بالأساس ضربات رمزية لادعاء النظام بأنه قادر على حماية “كرامة” و”سيادة” الأمة.
إن نموذج الجهاد الاقتصادي، الذي يفترض أن إيران يمكنها البقاء من خلال الاكتفاء الذاتي والتجارة في السوق الرمادية -أي سوق تتجاوز العقوبات بشكل شبيه بالسوق السوداء مع روسيا والصين- قد وصل بالفعل إلى نقطة الانهيار منذ زمن. كان اقتصاد المقاومة قائمًا على قدرة الدولة على دعم السلع الأساسية من خلال عائدات النفط، لكن الجمع بين عقوبات الأمم المتحدة (المفاجئة في سبتمبر 2025) وأضرار الحرب أسقط ظهر البعير.
حاولت الحكومة هيكلة أسعار البنزين في ديسمبر 2025 كأي دولة تمر بأزمة اقتصادية، ولكن رد الفعل العاصف من انهيار العملة كليًا وعجز الموازنة، بالتزامن مع انكشاف ملفات الفساد لبعض ضباط الحرس الجمهوري وصور حفلات زفافهم ورحلاتهم الخارجية واستيرادهم للملابس، لم ينجح في تبرير انهيار 37% من السكان تحت خط الفقر المطلق.
النظر التاريخي لأنظمة مماثلة في العداوة الأيديولوجية للغرب تظهر أن الثورات الثقافية كالتي حدثت في الصين الماوية أو في الاتحاد السوفياتي في الثمانينات لم تعمل إلا في دولة قادر على توفير الكفاف الرئيسي. يظن القارئ الكريم أن الفقر والفاقة تقودان للثورة التي يسمونها ثورة الجياع، لكن البيانات التاريخية ترصد على العكس تمامًا أن الفقر المدقع الذي يسبق المجاعات نادرًا ما قاد إلى ثورة بعكس حالات التحول الاقتصادي الذي ينجح في بداياته ثم يُجهَض (y-shaped).
التحليل في كلمة واحدة
كلمة واحدة هي ما استوقفتني في المقالة واستحسنتها، وهي في رأيي التفسير الأمثل للحالة الإيرانية، وهي كلمة “البكستنة”. فالاحتكاك المتزايد بداخل جهاز الأمن نفسه يشير إلى تدهور شديد في الروح المعنوية داخل قوات البسيج شبه العسكرية وقيادات الصف الثاني في الحرس الثوري، فسره الصديق العزيز سيف دويدار بأنه تعاطف مع تيار ميرباقري المرفوض داخل حوزات قم.
كان استخدام القيادة الإيرانية لسلاح قطع الانترنت في أحداث احتجاجات يناير 2026 وقعًأ أجبر قاعدة المتطوعين في قوات البسيج للشعور بأنهم في مواجهة مع جيرانهم وعائلاتهم. ووصلت معدلات الهروب من القوات إلى 14%، حين أدركت قوات الأمن أن “المقاومة” التي يقاتلون لأجلها لا تشمل الأمن الغذائي الأساسي لأطفالهم.
ثم جائت فضيحة بوابة سيسموني التي تورط فيها محمد باقر قاليباف، التي انشكفت أصلًا بسبب لعبة سلطة داخلية محكومة تهدف إلى تقليص قوة الخصوم البراغماتيين داخل جهاز السلطة قبل ترتيبات خلافة المرشد. ففي الحقيقة، ما يتصور أنه ثورة ثانية هو صراع من أجل غنائم دولة فاشلة أكثر منه تحول أيديولوجي حقيقي. ففي الغالب يبدو أن الواقعيين في الحرس الثوري رأوا في صراع تياري قاليباف/ميرباقري وجليلي عبئًا سعوا للتخلص فيه من كليهما، للحفاظ على المصالح التجارية للحرس الثوري التي قضوا في بنائها عقودًا.
الثورة الثانية التي رصد سيف دويدار جزئياتها بحرفية، لكنه فسرها تفسيرًا أختلف معه بشدة، هي في الحقيقة انتقال بريتوري في إيران سينتقل فيه الحكم بشكل مباشر إلى الحرس الثوري الإيراني ويتاره الجارف.
وهنا تظهر الكلمة المفتاحية العبقرية في مقالة سيف دويدار والتي تحمل تفسيرًا عبقريًا لما يحدث. لو كانت إيران باكستان لكان الحرس الثوري يمتلك إمبراطورية اقتصادية ضخمة وواجهة سياسية إسلامية تدير المشهد لصالحه، مع بقايا هزيلة لوصاية الفقه. في حين أن إيران حاليًا بعيدة عن النموذج الباكستاني لأن مؤسسة الكهنوت الديني لم تنهر بالكلية ولا زالت تحارب هذه البكستنة، في حين يسعى الحرس الثوري لإدارتها إن كانت حتمية.
أكثر من 400 مليون دولار تم نقلها من قبل مسئولين حكوميين إيرانيين إلى اسطنبول وتورونتو من خلال سلاسل تهريب تمر عبر مدينة مشهد في أواخر عام 2025، الفئران تقفز من السفينة والنخبة لا زالت قلقة بخصوص استقرار عملية الخلافة.
يدرك النافذون في الداخل الإيراني أكثر من غيرهم أن حرب الثماني سنوات في 1980 في عهد الثورة الفتية وفي حياة الملهم الكاريزماتي الخميني، والأهم في البحبوحة الاقتصادية التي خلفها الشاه، وفي مواجهة حليف إقليمي مهما بلغت شراسته محدود القدرات. تحتلف تمامًا عن حرب 2026 في دولة فسدت وقيادات ترهلت أو ماتت في مقابل قوى عظمى عالمية.
لاهوت المواجهة الذي يحاوله تيار ميرباقري هو عرض لمرض أشرس يعصف بإيران. دولة لم تعد ثورية، ومجموعات مسلحة تكافح للبقاء في أنقاض ثيوقراطية فاشلة ومنتهية. الصراع الحقيقي في إيران ليس بين الراديكاليين والإصلاحيين، ولا بين الراديكاليين والحرس الثوري الاقتصادي. بل هو على الحقيقة على أنقاض السلطة بين عسكر تمكن من مفاصل الدولة لسنين في مقابل عباءة كهنوتية لرجال الدين في الحوزات يدركون أن أوقاتهم قد مضت وعصرهم قد أفل ولا زالوا يتعلقون بأستار الماضي.
صراع رجال الدين ورجال الدولة
لا يؤمن الحرس الثوري بلاهوت المواجهة، لو كان يؤمن به لما سعى لفرض انقلابه العسكري الناعم على السلطة التي يشعر بالتهديد يلحق بها. الحقيقة هنا هي أن الجناح الراديكالي المدعوم من رجال الدين اليائسين يفقد السيطرة لصالح جناح براغماتي في الحرس الثوري. النخب الثيوقراطية تتحرك -تحركات متأخره وفاشلة- ضد القادة العسكريين، الذين أظهروا المرونة والاستعداد للتخلص من رجال الدين وتحويل إيران إلى شكل ما بعد إسلامي أقل في الراديكاالية وأكثر في القومية العلمانية للحفاظ على مصالحهم الاقتصادية.
تحولت الشبكات القريبة من الحرس الثوري بشكل ملحوظ من الخطاب الديني المباشر إلى الحديث حول “السيادة الوطنية” و”السلامة الإقليمية” وهو قرينة واضحة على استعداد للجهاز الأمني أن يرسم لنفسه عصر ما بعد الدين. لذا فإن الثورة الثانية التي يصرخ بها أمثال ميرباقري هي صرخة هزيلة في محاولة أخيرة من رجال الدين للبقاء ذوي صلة في دولة يتم الاستيلاء عليها بسرعة من قبل الحرس الثوري الذي يظهر في هذه اللحظة أقرب شكلًا إلى الحرس البريتوري الذي استولى على الامبراطورية الرومانية المنهارة بعد أفول عصر أغسطس قيصر.
نعم كتبت في وقت سابق أن إيران سوف تظهر ممانعة أعلى، فالضربات الأمريكية -بغباء منقطع النظير- ساهمت في تصعيد التيار الأكثر راديكالية إلى سدة الحكم. لكن هذا التيار بطبيعة الحال، ليس تيارًا دينيًا يسعى إلى إحياء الثورة أو أكثر انتماءً لمحور المقاومة. بل على العكس من ذلك، هو مغرق في الفساد في دولة على شفير الانهيار اقتصاديًا وشعبيًا.
ستقاوم إيران، لا أعلم إلى متى، لكنها لن تستسلم قريبًا أو تقبل بوقف إطلاق نار مذل. لكن إيران اليوم التالي للحرب لن تكون هي نفسها إيران التي بدأ منها النقاء الثوري، فالثورة الإيرانية اليوم تسلمها الجيل الذي لا ينتمي لها على الإطلاق، وإن أفاد من شعاراتها لعقود. وبدأت الآن في الإضرار به.
لن تخسر إيران الحرب، ولن تستسلم، لكنها بطبيعة الحال ستنهار على المدى البعيد، ولن تكون موجودة في الحرب التالية. إن عصر محور المقاومة ووحدة الساحات قد انتهى إلى غير رجعة إكلينيكيًا في اللحظة التي حاربت فيها غزة وحدها، وكل الأحداث التي تلت ذلك تعمل عمل دابة الأرض التي تأكل منسأة سليمان. نسأل الله أن يهيئ بنهاية هذا الفصل من الصراع أمر رشد للأمة والمنطقة يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته.
عام على إعادة تشكيل بلاد الشام
مقدمة شهدت البنية الجيوسياسية للشرق الأوسط تمزقًا نظاميًا بين أكتوبر 2023 وديسمبر 2025، وهو ما يقارن في حجمه بانهيار الدولة العثمانية أو حرب الأيام الستة 1967. نقدم اليوم وبمناسبة مرور عامًا كاملًا على تحرير دمشق تحليلًا استراتيجيًا لانهيار ما يطلق عليه الزميل أحمد العاروري “محور غزة-دمشق”







