عام على إعادة تشكيل بلاد الشام
الهيكل الاستراتيجي لما بعد الطوفان-بعد الأسد
مقدمة
شهدت البنية الجيوسياسية للشرق الأوسط تمزقًا نظاميًا بين أكتوبر 2023 وديسمبر 2025، وهو ما يقارن في حجمه بانهيار الدولة العثمانية أو حرب الأيام الستة 1967. نقدم اليوم وبمناسبة مرور عامًا كاملًا على تحرير دمشق تحليلًا استراتيجيًا لانهيار ما يطلق عليه الزميل أحمد العاروري “محور غزة-دمشق”1 -الذي كان في السابق محور المقاومة المقود إيرانيًا- وتفككه اللاحق بعد تزامن حدثين كارثيين: الإبادة في غزة اللاحقة على عملية طوفان الأقصى، وتوابع سقوط نظام الأسد.
يفترض تحليلنا أن بلاد الشام قد انتقل من فترة “التقلب المسيطر عليه” Contained Volatility (2011-2023) إلى مرحلة “التجزئة المفرطة” Hyper-Fragmentation و”إعادة الترتيب النيوليبرالي” NeoLiberal Re-Ordering. لم يقتصر تفكيك نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024 على إزالة ديكتاتور فقط؛ بل تفكك كذلك الجسر اللوجستي والأيديولوجي الرئيس الذي يربط طهران ببيروت والقدس. يمثل صعود الجمهورية السورية الثالثة بقيادة الرئيس أحمد الشرع تحولًا من أيديولوجيا “المقاومة/الممانعة” إلى مشروع “بناء الدولة الثورية” البراغماتي، وإن كان هشًا. يتميز هذا المشروع بالاعتماد الكلي على رأس المال الخليجي، والتساهل الضمني مع الضرورات الأمنية الإسرائيلية، والابتعاد المحسوب عن الكفاح المسلح الفلسطيني.
في الوقت نفسه، سمح الفراغ في دمشق لإسرائيل بتنفيذ استراتيجية توسع متطرفة. مشروع “إسرائيل الكبرى”، الذي كان في السابق محصورًا على الهامش الأيديولوجي، تجلى على الأرض من خلال “ممر داود” -وهو خط فصل جيوسياسي يمتد من هضبة الجولان إلى نهر الفرات. هذا الممر مصمم ليس فقط لإنشاء منقطة عازلة، بل لتقسيم الجنوب السوري بشكل دائم، وقطع الهلال الخصيب -الذي كان شيعيًا بسلطة الأمر الواقع حتى شهور مضت، ودمج الاقتصاد الإسرائيلي مع موارد الطاقة التي يسيطر عليها الأكراد في الشرق.
يفصل هذا التقرير هذه الديناميكيات بشكل شامل، مستخدمًا البيانات المتاحة ما بعد 2024 التنبؤ بمسار الصراع العربي الإسرائيلي في منطقة الشام. ويجادل بأنه بينما انتصر “الثورة” اسميًا على “المحور”، فإن النظام الناتج ترك الفلسطينيين في غزة والسوريين في حوران معرضين لهندسة إقليمية وديموغرافية غير مسبوقة.
الكارثة الجيوسياسية - الأساس النظري والسرد الزمني
لفهم إعادة تشكيل بلاد الشام في عام 2025، يجب أولًا تحليل الانقسام الأيديولوجي الذي شكل العقد السابق. كان العالم العربي ممزقًا فكريًا وسياسيًا بسرديتين متنافستين: “محور المقاومة” الذي أعطى الأولوية للنضال ضد إسرائيل والهيمنة الغربية، و”الربيع العربي” أو “الثورة”، الذي أعطى الأولوية للإطاحة بالأنظمة الاستبدادية المحلية.23
لأكثر من عقد من الزمان، نجح نظام الأسد في استعمال السلاح الخطابي لسردية “المقاومة” لتبرير قمع “الثورة”. من خلال تأطير الحرب الأهلية السورية كدفاع ضد مؤامرة صهيونية غربية، حافظت دمشق على دعم طهران وحزب الله. ومع ذلك، حطمت أحداث 2023/24 هذا التناقض. كانت عملية طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023) ذروة سردية المقاومة -هجوم حركي من حماس يهدف إلى قلب الطاولة في الوضع الإقليمي القائم. وللمفارقة، أطلق الهجوم سلسلة من الأحداث أدت إلى تدمير مرساة محور المقاومة في سوريا.
الرد العسكري الصهيوني، الذي توسع ليشمل حملة ضد حزب الله في لبنان طوال عام 2024، أضعف “الدرع الامبراطوري” الذي كان يحمي دمشق. مع محاصرة أو تدمير وحدات نخبة الحزب في جنوب لبنان، وتشتت روسيا بسبب حربها الطويلة في أوكرانيا، تُرِكَ نظام الأسد مكشوفًا. استغلت “الثورة”، التي كانت خارج الصورة منذ احتواء إدلب، هذه النافذة الاستراتيجية. يشير التزامن في الانهيار بين غزة ودمشق إلى ترابط عميق في بنية الأمن الإقليمي: إضعاف “المقاومة” في غزة سرع من زوال نظام “المقاومة” في سوريا من خلال انسحاب حماته الأجانب واحدًا تلو الآخر.
إعادة هيكلة المنطقة تمت من خلال سلسلة سريعة من الصدمات العسكرية والسياسية. فباشتعال الطوفان في أكتوبر 2023 بدأ رد الفعل الإسرائيلي الذي أعادت فيه إسرائيل تركيزها العسكري، بالتزامن مع تهدم لا ينكره إلا جاحد للسردية العسكرية الإسرائيلية. لحق بالطوفان انخراط إسرائيلي في هجوم موسع على لبنان في منتصف 2024، أدى إلى تدهور منهجي للحرس البريتوري للأسد. ثم في السابع والثامن من ديسمبر 2024، سقطت حمص ثم دمشق، وهرب الأسد إلى موسكو؛ منهيًا خمسة عقود من حكم البعث. في وقت لاحق في 2025 بدأت إجراءات إعادة بناء نظام ما بعد الأسد وولاءاته. في مايو انطلق الشرع إلى قمة الرياض ليلتقي للمرة الأولى بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بواسطة سعودية؛ شكل حضور الشرع للقمة علامة أولية على تحول سوريا نحو المدار الغربي.4 لتقوم إسرائيل أخيرًا في أواخر 2025 بفرض “حزامها الأمني” وتوسيع بنيتها التحتية نحو الفرات مما يوقظ خبرات المراقبين نحو مشروع “ممر داود”.5
مثل سقوط بشار الأسد نهاية عقيدة “وحدة الساحات”، التي تفترض أن الحرب في غزة ستؤدي إلى هجوم منسق متعدد الجبهات من لبنان وسوريا والعراق. في عام 2025، تم استبدال هذه العقيدة بسياسة “سوريا أولًا” في دمشق، مما أدى فعليًا إلى قطع محور غزة-دمشق. وقد تسبب الانهيار في استنزاف داعمي النظام الخارجيين. تراجع الدعم العسكري الروسي، الذي كان حاسمًا لبقاء الأسد منذ 2015 بشكل كبير مع إعطاء موسكو الأولوية لحملتها في أوكرانيا. علاوة على ذلك، عطلت الحملة الإسرائيلية في لبنان تدفق الخدمات اللوجستية الإيرانية، مما ترك الجيش العربي السوري -الذي كان بالفعل قد تم تفريغه بفعل الفساد والاستنزاف- غير قادر على الصمود أمام “الهجوم الخاطف” للمعارضة. كشف الاستسلام السريع لقوات النظام في حمص ودمشق عن مدى الفساد المؤسسي؛ كانت الدولة مجرد قشرة مدعومة بدعم أجنبي، وعندما تفتت هذا الدعم، تبخرت الدولة.
الجمهورية السورية الثالثة - الديناميكيات الداخلية وبناء الدولة
يمثل صعود الشرع كرئيس للجمهورية السورية واحدة من أكثر عمليات إعادة التأهيل السياسية راديكالية في التاريخ الحديث. تحول الشرع -اسمًا وهيئةً وممارسةً- ليس مجرد تغيرًا شكليًا، بل يعكس حسابًا استراتيجيًا لضمان الاعتراف الدولي وتمويل إعادة الإعمار. ابتعدت إدارته عن الأيديولوجيات الجهادية العابرة للحدود، وصاغت مهمتها على أنها قومية بحتة -”سوريا بكل مكوناتها”6.
منذ تبوئه المنصب رسميًا في 29 يناير 2025، قام الشرع بـ21 رحلة دولية إلى 13 دولة، بما في ذلك زيارة تاريخية للجمعية العامة للأمم المتحدة وحضور مؤتمر تغير المناخ في البرازيل. وكان أبرز إنجازاته هو لقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر 2025، وهو مؤشر واضح على أن إدارة ترامب ترى دمشق الجديدة شريكًا محتملًا في استقرار المنطقة واحتواء إيران، رغم تصيف الشرع السابق كإرهابي7.
تحركت الإدارة الجديدة بسرعة لسد الفراغ المؤسسي الذي تركه حزب البعث. تتضمن هذه العملية توازنًا معقدًا بين تلبية مطالب القاعدة “الثورية”، وإرضاء المانحين الدوليين، وإدارة البيروقراطية الراسخة للدولة القديمة. أصدرت الحكومة المؤقتة إعلانًا دستوريًا وأعلنت الشرع رئيسًا لفترة انتقالية مدتها 5 أعوام، وحلت حزب البعث والجهاز الأمني مع الاحتفاظ بالعديد من العناصر التكنوقراطية من الدولاب الحكومي لمنع الانهيار الكامل8. نظمت الحكومة انتخابات أجريت في أكتوبر الماضي لتشكيل هيئة تشريعية جديدة (يعين الرئيس ثلث أعضائها) في خطوة تعمل لاستيعاب المكونات الاجتماعية والقبلية في هيكل الدولة الجديدة9.
أما الرؤية الاقتصادية للجمهورية الثالثة فهي نموذج إعادة إعمار نيوليبرالي يعتمد بشكل كبير على رأس المال الخليجي . أشار الشرع إلى الابتعاد عن خطاب الدولة الاشتراكية البعثي، متبنيًا الخصخصة والاستثمار الأجنبي كمحركات للتعافي. تحولت دول الخليج من الحرب بالوكالة إلى التحكم الاقتصادي. برزت السعودية على وجه الخصوص كراعية رئيسة للنظام الجديد10، حيث تعهدت باستثمارات تزيد على 6 مليار دولار. تقوم قطر بتمويل نشط لإعادة الإعمار في قطاعي النفط والغاز. تعتمد الاستثمارات الخليجية على “المصالحة الداخلية”، والأهم من ذلك، استمرار استبعاد النفوذ الإيراني. لعب ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، دورًا محوريًا في تسهيل إعادة تأهيل الشرع غربيًا11، مستخدمًا المساعدات الاقتصادية كوسيلة لضمان بقاء دمشق متوافقة مع مصالح المحور الخليجي12.
رفع إدارة ترامب لعقوبات قانون قيصر في منتصف 2025 وفر شريان حياة حيوي للحكومة الجديدة. حيث سمح بتدفق مواد البناء ورأس المال الضروري لإعادة الإعمار. تظهر المؤشرات الاقتصادية علامات مبكرة على الاستقرار؛ يتوقع البنك الدولي أن ينخفض مؤشر أسعار المستهلك CPI إلى أقل من 20% في 2025، ومن المتوقع أن ينعكس انكماش الناتج المحلي الإجمالي إلى نمو بنسبة 1%. ومع ذلك لا يزال الاقتصاد صغيرًا بالمقارنة بحجمه قبل اندلاع الثورة السورية، حيث يقدر الناتج المحلي الإجمالي الحالي بـ21.4 مليار دولار مقارنةً بـ67.5 مليار دولار في عام 201113.
وعلى الرغم من الخطوات الواسعة في تشكيل مظهر الدولة الجديدة، يبقى الوضع الأمني هو التحدي الأكثر خطورة أمام إدارة الشرع. “الجيش السوري الجديد” لم يعد بعد قوة وطنية متماسكة وليس أكثر من مجرد خليط من الميليشيات المتحدة، ووحدات النظام المنشقة، وقوات الدفاع المحلية.
لقد ثبت أن دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ومختلف فصائل المتمردين في هيكل قيادة موحد كان تحديًا صعبًا. بينما تم توقيع اتفاقيات لدمج الهياكل المدنية والعسكرية للقوات السورية، تشير التقارير إلى أن الجماعة التي يقودها الأكراد تواصل العمل شبه المستقل في الشمال الشرقي، مع الحفاظ على برامجها الخاصة في التجنيد والتدريب14. وبالمثل، في الجنوب، تحافظ ميليشيات الدروز في السويداء على درجة عالية من الحكم الذاتي، محمية بترتيباتها الأمنية الضمنية مع الكيان الصهيوني والأردن -في سياقات مختلفة15.
شاب هذا الانتقال دورات من العنف الانتقامي. أدت عملية “العدالة المتعثرة” إلى هجمات من المؤيدين على شخصيات النظام السابق، خاصة في المناطق ذات الأغلبية العلوية مثل حمص واللاذقية. تحدث عمليات القتل المستهدفة للضباط السابقين بشكل شبه يومي. بالإضافة لذلك، شاركت الحكومة الجديدة في اشتباكات مع بقايا مؤيدة للأسد وميليشيات تابعة للعشائر، مما أدى إلى مئات الضحايا في المحافظات الساحلية -تزعم المعارضة أنهم من المدنيين. يكافح “الجيش السوري الجديد” المكون من حوالي 130 ميليشيا مختلفة، لفرض الانضباط، مما يثير شبح “الانهيار” الأمني في حال حدوث أي انقسام في السلطة المركزية16.
إسرائيل الكبرى والجبهة الشمالية - التوسع الاستراتيجي
بينما تتجه دمشق إلى الداخل لإعادة البناء، استغلت إسرائيل الانهيار الاستراتيجي للدولة السورية لإعادة تشكيل بيئتها الأمنية الشمالية بشكل جذري. سمح الفراغ في الجنوب لتل أبيب بتنفيذ مفاهيم استراتيجية راسخة طويلة الأمد توسع محيطها الأمني عميقًأ داخل الأراضي العربية.
اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974م، التي حافظت على سلام هش في هضبة الجولان لنصف قرن، انهارت عمليًا. بعد سقوط الأسد، تحركت القوات الإسرائيلية إلى منطقة المراقبة العازلة التابعة لقوة مراقبة فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة UNDOF وتقدمت متجاوزة إياها، مما أنشأ حدودًا جديدة بحكم الواقع. أنشأت إسرائيل “حزام أمني” يمتد بعمق 5 إلى 7 كم داخل الأراضي السورية، ويغطي محافظات القنيطرة ودرعا وأجزاء من السويداء. تخضع هذه المنطقة لمراقبة أمنية بشكل صارم؛ بحيث يمتنع أي وجود مسلح، وغالبًا ما تعمل دوريات إسرائيلية في القرى ضمن هذا الحزام الأمني لإجراء الاعتقالات وتفكيك البنية التحتية. صرح وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس” بأن القوات ستبقى في هذه المنطقة لفترة “غير محددة”، مما يشير إلى تحول دائم في الوضع الإقليمي الراهن17.
كان تطبيق هذه المنطقة العازلة عنيفًا للغاية. منذ ديسمبر 2024، نفذت إسرائيل أكثر من 1000 غارة جوية و400 توغل بري في جنوب سوريا. حدث تصعيد ملحوظ في نوفمبر 2025، عندما شنت القوات الإسرائيلية هجومًا على مدينة بيت جن، مما أسفر عن مقتل 13 مدنيًا وإصابة العشرات، وهو حدث وصفته حكومة الشرع بأنه “مذبحة”. هذه العمليات ليست دفاعية فقط؛ تهدف هذه العمليات إلى تقويض أي إمكانية لإعادة تشكيل “الجبهة الجنوبية” وفرض نزع السلاح في منطقة حوران1819.
أهم تطور في بلاد الشام بعد رحيل الأسد هو مشروع “ممر داود”. يوجه هذا المشروع تحولًا إسرائيليًا من الاكتفاء بالعزلة الدفاعية إلى إعادة هيكلة جيوسياسية هجومية.
ممر داود هو جسر بري مقترح ومنقطة أمنية تمتد من مرتفعات الجولان المحتلة عبر جنوب سوريا (تحديدًا محافظتي درعا والسويداء) إلى قاعدة التنف المسيطر عليها أمريكيًا ونهر الفرات. تشير الخرائط والتحليلات المتاحة للجمهور من مراكز الأبحاث الأمنية إلى أن مسار الممر مصمم لفصل المنطقة الحدودية السورية-الأردنية عن بقية سوريا، مما يخلق منطقة نفوذ إسرائيلية متصلة تتصل بالأراضي التي يسيطر عليها الأكراد في الشرق2021.
أهداف الممر الثلاثة الواضحة حتى الآن هي: فصل الهلال الخصيب الشيعي من خلال السيطرة على الحزام الحدودي الجنوبي، تقطع إسرائيل فعليًا الطريق البري الذي كانت إيران تستخدمه سابقًا لتزويد حزب الله عبر العراق وسوريا. اتصال إمدادات الطاقة واللوجستيات حيث يهدف الممر إلى ربط إسرائيل مباشرةً بالمناطق الغنية بالموارد في شرق سوريا وكردستان العراق، مما قد يعيد إحياء مفهوم خط أنابيب الموصل-حيفا القديم تحت مظلة أمنية جديدة. خلق دولة عازلة من خلال دعم مشروع الحكم الذاتي الفعلي لمنطقة السويداء ذات الأغلبية الدرزية مما يخلق دولة أقلية عازلة بين إسرائيل والداخل العربي السني2223.
خط أنابيب الموصل حيفا الذي توقف عام 1948
تشير الأدلة على الأرض إلى تنفيذ نشط للمشروع. لوحظت وحدات هندسة إسرائيلية وهي تعبد الطرق وتحصن المواقع داخل المنطقة العازلة الموسعة. وزير المالية بتسليل سموتريتش وقادة إسرائيليون يمينيون آخرون استشهدوا بشكل متزايد بخطاب “إسرائيل الكبرى”، مؤكدين صراحةً أن مستقبل القدس يكمن في التوسع نحو دمشق والفرات. لم يعد هذا خطابًا مسيانيًا إسكاتولوجيًا دينيًا بل هو سياسة دولة اختلط فيها التوراتي بالعلماني، مدعومًا ببنية تحتية “إنسانية” وأمنية24.
يجب فهم السعي نحو “ممر داود” في سياق الوضع الدولي المتغير لإسرائيل بعد عملية الطوفان. يكشف التحليل الاستراتيجي عن مفارقة: أصبحت إسرائيل أكثر عزلة عالميًا، وأكثر تماسكًأ داخليًا، وأكثر عدوانية إقليميًا. تراجع مؤشر الاستقرار السياسي 132 نقطة كاملة بسبب الحرب متعددة الجبهات، والانقسامات الداخلية وعدم استقرار الحكومة. وانخفض مؤشر العولمة -2 ومؤشر الديموقراطية -2 وأصبحت إسرائيل دولة منبوذة من دول الجنوب العالمي. في المقابل شهدت إسرائيل تحسنًا في مؤشرات الفساد والجريبة والتنمية البشرية مما يعكس تماسكًا في الجبهة الداخلية (اجتماعيًا وليس سياسيًا)25.
تشير هذه البيانات إلى “قدرة تكيفية” داخل المجتمع الصهيوني -أي تأثير “الالتفاف حول العلم”- الذي يمكن الدولة من القيام بتوسعات خارجية عالية المخاطر (ممر داود مثالًا) لتعويض فقدان الأمن المتصور والشرعية الدولية. يشير نموذج “الرؤية الشمولية” إلى أن إسرائيل تحاول حل معضلاته الأمنية من خلال تعميق حيازتها للأراضي، معتبرةً الإدانة الدولية تكلفة قابلة للتحمل في مقابل إنشاء “حدود قابلة للدفاع” تمتد إلى ما هو أبعد من حدود 1967م26.
القضية الفلسطينية في بلاد الشام الجديدة - الديموغرافيا والأيديولوجيا
لقد غير سقوط الأسد بشكل جذري العلاقة بين المقاومة الفلسطينية والدولة السورية. مفهوم “محور غزة-دمشق” مات. وقد أعطت القيادة السورية الجديدة الأولوية لبقاء النظام وإعادة إعماره الاقتصادي فوق التضامن العابر للحدود.
تكمن الجذور الأيديولوجية لهذا التحول في “ميثاق الشرف الثوري” الذي وقعته الفصائل الإسلامية السورية (بما ذلك قيادات الفصائل المكونة للقيادة الحالية) في عام 201427. هذا العهد أعطى النضال الوطني السوري أولوية فوق كل شيء، ورفض ضمنيًا استخدام سوريا كمنصة انطلاق للعمليات الخارجية. في عام 2025، تطورت هذه الوثيقة إلى سياسة حكومة. صرح الشرع صراحةً في منتدى الدوحة السنوي منذ أيام أن سوريا لن تكون “دولة تصدر الصراع”28، وهو رفض مباشر لدور “المقاومة”.
تحركت بالفعل حكومة الشرع لتفكيك القدرة التشغيلية للفصائل الفلسطينية المتحالفة مع “محور المقاومة” السابق. اعتقلت قوات الأمن قادة رئيسيين في الجهاد الإسلامي الفلسطيني، بمن فيهم خالد خالد وأبو علي ياسر، وأغلقت مكاتب الفصائل في دمشق2930. هذه الحملة القمعية إشارة واضحة للولايات المتحدة وإسرائيل بأن سوريا الجديدة لن تتسامح مع الجهات المسلحة غير الحكومية التي قد تستدعي تدخلًا أجنبيًا31. العلاقات مع حماس أكثر غموضًا؛ فبينما سُمِحَ للجماعة بإعادة فتح بعض المكاتب السياسية بسبب حيادها خلال الحرب الأهلية السورية، فإن أنشطتها العسكرية محدودة بشكل صارم32.
التهديد الوجودي الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين في عام 2025 ليس مجرد الهزيمة العسكرية بل التهجير الدائم. لقد أعاد التوسع الإسرائيلي المحسوب في ظل نهج إدارة ترامب في “إبرام الصفقات” النظر إلى خطط نقل السكان الجماعية. طرحت إدارة ترامب اقتراحًا لتحويل قطاع غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط” -منطقة تجارية وسياحية راقية “خالية من حماس”. تتطلب هذه الرؤية إزالة السكان الحاليين33. تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تواصلتا مع دول مثل ليبيا والسودان وربما سوريا لقبول نازحين من غزة مقابل حوافز مالية ضخمة34. في حين رفضت السودان والصومال هذه المقترحات، فإن الوضع الاقتصادي اليائس للدولة السورية الجديدة يجعلها هدفًا محتملًا لمثل هذه المخططات. هناك خوف استراتيجي من أن أموال إعادة الإعمار قد ترتبط باستيعاب اللاجئين الفلسطينيين. ومع ذلك، يواجه الشرع معضلة: قبول تهجير جماعي إلى سوريا سيُنظَر له كخيانة للقضية العربية وقد يزعزع حكمه الهش، لكن رفضه قد ينفر رعاة الولايات المتحدة الذين يغازلهم35.
على الأرض، أمر وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس ببناء “مدينة إنسانية” على أنقاض رفح -مخيم شديد الحراسة يهدف إلى استيعاب جميع سكان غزة كمقدمة “للتهجير”. وصف الخبراء القانونيون هذا بأنه مخطط لجريمة ضد الإنسانية، لكنه يتماشى تمامًا مع منطق مشروع إسرائيل الكبرى: أرض بلا شعب36.
بالنسبة للاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون بالفعل في سوريا، فإن المستقبل غير مؤكد أيضًا. لا يزال تدمير مخيم اليرموك -الذي كان يومًا عاصمة للاجئين الفلسطينيين في سوريا- جرحًا عميقًا. بدأ بعض اللاجئين بالعودة تدريجيًا إلى اليرموك، يزيلون الأنقاض ويحاولون إعادة بناء المنازل التي تدمرت بفعل سنين من القصف. ومع ذلك، يعودون إلى مشهد سياسي متغير. أشار السفير الفلسطيني لدى سوريا، سمير الرفاعي، إلى نقص تام في التواصل مع القيادة الجديدة بشأن وضع الفلسطينيين37.
ترى الحكومة الجديدة أن الوجود الفلسطيني المسلح في مخيمات مثل اليرموك يشكل تهديدًا لسيادتها. هناك ضغط هائل لنزع سلاح هذه الجماعات ودمجها في النظام الوطني الجديد أو تسريحها بالكامل. لقد انتهى عصر المخيمات الفلسطينية التي كانت تعمل كدول ذاتية الحكمة داخل سوريا.
إعادة ترتيب البيت الإقليمي والعالمي
لقد حلت السعودية بالفعل محل إيران كقوة خارجية مهيمنة في دمشق. وقد رسمت قمة الرياض في مايو 2025 هذا التحول. الاستراتيجية السعودية مدفوعة بـ”احتواء القوة الناعمة” -استخدام النفوذ المالي لضمان عدم عودة سوريا إلى الفوضى أو النفوذ الإيراني. استثمار المملكة بمليارات الدولارات في البنية التحتية ليس صدفة؛ بل هو شراء استراتيجية للسيادة السورية. من خلال دمج سوريا في المجال الاقتصادي الخليجي (عبر شبكات الطاقة ومنتديات الاستثمار)، تهدف الرياض إلى خلق تبعية تمنع أي تقارب مستقبلي مع طهران38. هذا التحالف يخدم أيضًا في عزل قطر وتركيا، مما يضمن أن إعادة الإعمار “السنية” لسوريا تتبع النموذج السعودي للاستقرار الاستبدادي بدلًا من النموذج المتعاطف مع الإخوان المسلمين.
تواجه تركيا بدورها كابوسًا استراتيجيًا في الإقليم ما بعد الأسد. بينما رحبت أنقرة بسقوط نظام منافس، كانت العواقب الجيوسياسية سلبية. يهدد “ممر داود” بخلق رابط متصل بين إسرائيل وقسد الكردية، متجاوزًا تركيا مما يعزز الانفصالية الكردية39. المنطقة تشهد حاليًا منافسة بين رؤيتين لوجستيتين كبيرتين: “طريق التنمية” التركي (الذي يربط العراق بأوروبا عبر تركيا) و”ممر داود” الإسرائيلي (الذي يربط الخليج/العراق بالبحر الأبيض المتوسط عبر إسرائيل والأردن). نجاح الممر الإسرائيلي سيبعد تركيا كمركز طاقة إقليمي ويعزز تحالفًا تركيًا-إسرائيليًا على جناحها الجنوبي. وقد أدى ذلك إلى احتجاجات دبلوماسية تركية وقد يؤدي إلى تدخل عسكري تركي لقطع الممر إذا استمر في التوسع40.
طريق التنمية (العراق - تركيا - أوروبا)
عودة ترامب إلى البيت الأبيض سرعت من إعادة رسم الخريطة. “مبدأ ترامب 2.0” في بلاد الشام هو مبدأ تبادلي ومركزي على إسرائيل ويرتكز على مبادئ ثلاث هي: تخفيف العقوبات عن حكومة هيئة تحرير الشام لتسهيل الاستراتيجية السعودية. والموافقة على التوسع الإسرائيلي ضمنيًا في مبادرات “الحزام الأمني” أو “ممر داود” كإجراءات ضرورية للاستقرار الإقليمي واحتواء داعش/إيران. والمنطقة الحرة في غزة (تديرها قوى خارجية) بما يتماشى مع الدفع الإسرائيلي بتقليل السكان، حيث يتم إعادة رسم التطهير العرقي كأنه “إعادة تطوير حضاري”41.
التوقعات الاستراتيجية (2026-2030)
استنادًا إلى تقارب هذه الاتجاهات -إعادة الإعمار في سوريا، التوسع الإسرائيلي، تهجير الفلسطينيين- تظهر 4 سيناريوهات على المدى المتوسط.
السيناريو أ: ولاية نيو ليبرالية (احتمالية عالية)
تستقر سوريا كدولة عميلة للسعودية والغرب.
تفرض حكومة الشرع النظام من خلال مزيج من الاستغلال والقمع.
تحتفظ إسرائيل بـ”ممر داود” إلى أجل غير مسمى، مما يضم جنوب سوريا فعليًا بكل شيء ما عدا الاسم.
يتم “تصفية” القضية الفلسطينية في الشام من خلال التفريغ التدريجي لغزة والتحييد السياسي للاجئين الشتات في سوريا.
يمثل هذا السيناريو انتصارًا لرؤية “الشرق الأوسط الجديد” -التكامل الاقتصادي مع الأمن الاستبدادي.
السيناريو ب: تفكك بلاد الشام (احتمالية متوسطة)
تفشل الحكومة المركزية في دمشق في ترسيخ السيطرة على الأطراف.
يصبح جنوب سوريا محمية إسرائيلية رسمية “دروزستان”، بينما يندمج الشمال أكثر مع تركيا.
يظل الشرق تحت سيطرة قسد/الولايات المتحدة.
ينتفي وجود سوريا فعليًا كدولة موحدة، لتصبح تعبيرًا جفرافيًا لمناطق نفوذ متنافسة.
من المرجح أن تؤدي هذه التجزئة إلى عودة ظهور داعش في المساحات غير الخاضعة للحكم. الشيء الذي يضع هذا الاحتمال على الطاولة هو تركز كل المشروع السوري في شخص أحمد الشرع المعرض للاغتيال أو الغياب عن المشهد في أي لحظة مما ينذر بانفجار الوضع مرة أخرى.
السيناريو جـ: رد الفعل الانتقامي (احتمالية منخفضة)
يؤدي الاستياء الواسع من تنازلات حكومة الشرع لإسرائيل والغرب إلى اندلاع ثورة مضادة.
عناصر جهادية متشددة تظهر ضمن تمرد “الجيش السوري الجديد”، متهمين الشرع بالخيانة.
يعيد هذا إشعال الحرب الأهلية، لكن هذه المرة بتركيز صريح على معاداة إسرائيل والغرب، مما يدفع إسرائيل إلى حرب برية مكلفة في الداخل السوري ويسقط مشروع “ممر داود”.
السيناريو د: النهضة الإسلامية في بلاد الشام (اختبار للاحتمالية)
بالرغم من عدم قيادة أي معطى من معطيات التحليل إلى هذه الفرضية إلا أننا آثرنا وضعها في نهاية التحليل لجريانها على ألسن بعض المثقفين؛ وذلك لاختبارها فقط، ونرجو أن تصيب ونخطئ. يتصور هذا السيناريو التغيير في سوريا ليس كانزلاق نحو النيوليبرالية أو الفوضى، بل كمقدمة لإحياء إسلامي شامل.
الفرضية:
سقوط نظام الأسد يزيل العقبة الأساسية أمام التكامل الإقليمي العضوي. مع كشف “وحدة الساحات” كفشل طائفي وشلل لأنظمة “التطبيع العربي” (مصر، الأردن) بسبب علاقاتها بالغرب، تظهر سوريا كمنصة وحيدة قابلة للحياة لمشروع إسلامي وسيادي.
الآلية:
تستفيد سوريا من جغرافيتها المركزية والوضوح الأخلاقي لعصر “ما بعد الطوفان” لقيادة توحيد ثقافي وسياسي لبلاد الشام. هذا “الاتحاد الشامي” يدمج الإمكانات الاقتصادية لشمال سوريا مع الحماس الأيديولوجي للقضية الفلسطينية، متجاوزًا المؤسسات البنيوية المشلولة عربيًا كمنظمة التعاون وجامعة الدول.
استنساخ النموذج التركي لصعود أردوغان، تتبنى سوريا مسار “السباحة مع التيار”.
التركيز على ملفات الاقتصاد، التعليم، التصنيع العسكري، تجنب الصدام مع إسرائيل
احتكار القوة المسلحة في الداخل السوري
تشكيل محور (تركيا - سوريا - قطر)
النتيجة الاستراتيجية:
تتحول سوريا إلى قوة إقليمية تحريفية، مستفيدة من “خطاب سياسي عربي جديد” يجمع بين الحكم الديمقراطي وهوية إسلامية لا اعتذارية. يخلق هذا “جبهة شمالية” قوية ليست عميلة لإيران أو للغرب، وتتحدى بشكل أساسي مشروع “إسرائيل الكبرى” من خلال تقديم جدار ديموغرافي وأيديولوجي موحد من حلب إلى غزة.
الحجج المضادة للسيناريو الرابع:
الفيتو الإسرائيلي (استراتيجية جز العشب)
إسرائيل لن تسمح بنشوء “تركيا جديدة” على حدودها.
القصف الدائم وضرب البنية التحتية السورية دليل على السياسة الإسرائيلية.
الأزمة الاقتصادية الخانقة:
تحتاج سوريا المدمرة إلى ما يقارب 400 مليار دولار، ولا يمكن بناء “نهضة” على أنقاض الدولة دون خضوع لشروط الممولين (الخليج/الغرب) التي تتضمن التطبيع، مهما ناورت القيادة السورية الجديدة.
الاعتماد على الدعم التركي/القطري لا يمكن أن يوفر الحد الأدنى من الاستقلال كون الدولتين أصلًا في مهب الريح اقتصاديًا وسياسيًا
التفتيت الداخلي (الأقليات):
الدروز والأكراد والعلوية سيقاومون أي مشروع “نهضة إسلامية سنية”، مما يعني استنزافًا دائمًا في حروب داخلية.
النظام الجديد أثبت عدم إمكانيته تقديم حسم عسكري حاسم في السويداء، أو الوصول لاستراتيجية احتواء ناجحة مع الأقليات.
الاحتمالية:
منخفض جدًا
الخاتمة
أدى تقاطع عملية طوفان الأقصى مع سقوط الأسد إلى مفارقة تاريخية: فقد أدت العملية التي اطلقت لتحرير فلسطين عن غير قصد إلى انهيار الهيكل الموحد لسوريا الأسد الذي كان يرتكز اسميًا على محور المقاومة.
الفراغ الناتج لم يتم ملئه بمقاومة جديدة بل بقوى “إسرائيل الكبرى” ورأس المال الخليجي. لقد تم القضاء تمامًا على محور “غزة-دمشق”. وحل محله خريطة مجزأة تكافح فيها الجمهورية السورية الثالثة من أجل البقاء في ظل التوسع الإسرائيلي، ويواجه الشعب الفلسطيني صراعًا وجوديًا نحو الإبادة والمحو. بلاد الشام في عام 2025 هي منطقة يعاد تشكيلها من قبل الأقوياء، حيث أصبحت “الثورة” أداة لإعادة الاصطفاف الجيوسياسي، وأصبحت “المقاومة” ذكرى لعصر مضى.
العاروري، أحمد. (2025). غزة دمشق: مواجهة إسرائيل الكبرى ما يسع المقاومة والثورة. ما بعد الطوفان: مجلة دورية تصدر كل شهرين، (1)، 144-150. مجلة ما بعد الطوفان العدد الأول - مركز مدارك
المصدر نفسه
المصدر نفسه
المصدر نفسه
المصدر نفسه






