لماذا ينعتونه بالجنون؟ - مقاربة فلسفية - المقالة 1
في لاهوت الدولة والحداثة وأخلاقهما
للوصول إلى المقالة السابقة:
ذكرتُ في المقالة الماضية أن رفض مفهوم التضحية / الجود بالنفس لا يتأتى من مخالفة أيديولوجية للشهيد السنوار عليه رحمة الله، بقدر ما هو تحدي أنطولوجي -وجودي- لجوهر الحداثة ذاته التي أخذت بنصيب من أفكار كل التيارات، وأخص بالذكر هنا فكرة الحداثة البرجوازية كما سنشرح لاحقًا.
فالحداثة في وجهها القبيح البرجوازي -الذي يسعى لمراكمة الثروة والرفاهية- تجعل صاحبها يرى عالمًا غير الذي يراه الرجل الذي يجود بنفسه في سبيل قضيته. يعيش الرجلان نفس العالم وعلى نفس الكوكب ويتنفسان ذات الأكسجين، ولكنهما على مستوى العقل يرى كل منهما عالمه غير الذي يراه صاحبه.
يرى هؤلاء العالم في صورة “العمل” و”المال” و”القوميات” بوصفها حقائق طبيعية لشكل العالم لا صورة حداثية مادية أنتجتها الحداثة وبقاءها مشروط ببقاء مشروع الحداثة البرجوازي. فالأزمة هنا على الحقيقة هي أزمة في عدم قدرة هؤلاء النفر على تصور أي محاولة تنظيم اجتماعي تخرق أسوار الدولة القومية الحديثة أو السوق العالمية التي لا يرون العالم إلا من عدستها. وبالتالي يعدون الخارج على هذا الشكل -وإن كان سبب خروجه كونه يظلمه ولا ينصفه- شكلًا من أشكال اللاعقلانية السياسية، أو كما دأبوا على الوصف “جنونًا”.
وتقوم الأدبيات الفكرية الغربية بالأساس على المستويين السياسي والأخلاقي على رفض أشكال الرشدية في الاهتداء. فقد تقبل السياسة شكلًا من أشكال الغيبية اللاهوتية وإن كانت علمانية، يكون الإله فيها هو الدولة السيادية التي تتيح لنفسها التصرف باستثناءات عن القانون الدولي والمحلي والأخلاقي بلا ضابط أو رابط لأنها “لا تُسأل عما تفعل، ومن هم ليسوا دولًا يُسألون”.
وفي هذا يمكنك فهم كيف ينام من يستيقظون كل يوم في محاسبة السنوار وإخوانه على كل كبيرة وصغيرة، ولا يحاسبون الكيان الصهيوني البغيض على سلوكه. الأمر هنا لا يتعلق بكون الصهاينة ردة فعل على عملية السابع، أو بكون المتحدث داعمًا للصهيونية، أو خصمًا للإسلام السياسي. بل السبب الأهم والأوضح والذي يشغل عقولهم الظاهرة والباطنة أن مثل هذه الأفعال التي أقدم عليها السنوار هي أفعال استثنائية لا يتأتى أن يباشرها إلا الدول القومية التي هي إله العالم الحديث بلا منازع.
وإن نحن قبلنا أن نسمح لكيان دون الدولة مثل حماس أن يباشر أفعال السيادة هذه، فنحن نفتح الباب لإكساب أي خروج على الدولة شرعية. ومن هذا يمكننا تصور موقف الحكام العرب أنفسهم المتحفظ من عملية السابع، ودعوة بعضهم صراحةً في خضم رفضه للتهجير إلى أن يتم إلى صحراء النقب، حتى تفرغ إسرائيل -إن شاءت- من تصفية الإرهابيين من حماس والجهاد في غزة.
وهو موقف لا يختلف كثيرًا عن دعمهم غير المشروط لبشار الأسد في وجه الثورة السورية، رغم أنهم يجتمعون مع ثوار سوريا في كل شيء -المذهب والقضية والمصلحة الإقليمية- إلا الدولة، ويتفارقون مع بشار الأسد في كل شيء إلا كونه هو الدولة.

هذا هو المستوى السياسي، أما المستوى الأخلاقي الفلسفي فنزور فيه طرح “أخلاقيات الآخر” الذي طوره إيمانويل ليفيناس. ووصف “أخلاقيات الآخر” هو إعادة هندسة مؤدبة للفكرة العنصرية التي ترفض فيها “الذات” -والمقصود بها هنا الدولة القومية أو الطائفة أو نظام رأسمالية السوق أو الفرد البرجوازي المنتمي لواحدة من هذه الثلاثة- ترفض حقوق الآخر.
فالدولة -أو من يمثلها- والسوق -أو المستفيد منه- والطائفة -أو المنتمي لها- هنا يعجزون عن إدراك حق الآخر. لأنهم ليسوا الأعلى صوتًا وليسوا حتى الأغلبية في مواجهة الأخلاقية، هم أعلى شأنًا وأكثر مالًا وأعز نفرًا من ذلك، هم كما يصفهم ليفيناس totalizing totality “كلية شاملة” تستثني كل من هو خارج الطائفة أو الدولة أو السوق.
وحينما ترفض الطبقة الوسطى المنسحقة حضاريًا والمهزومة فكريًا أمام منطق الدولة، حينما ترفض التضحية من أجل فلسطين أو الفقراء، فهم يشيرون ضمنيًا إلى أن هذا الآخر -الفلسطيني- لا يملك وجهًا ليملي علينا حقوقه. ومن هنا فإن نموذج الرجل الذي يجود بنفسه -كيحيى السنوار- أو الحركة التي تضحي بوجودها -كإخوانه من حماس- والذين يختارون الموت بشرف على حياة حظيرة الخنازير هذه، يمثلون بالنسبة لكل برجوازي -أفراد أو مؤسسات- إزعاجًا لا يطاق يهدد الأنا البرجوازية الخاصة بهم.
مضطرين ان ندافع عن شعبنا بالوسائل المتاحه لدينا هذا ما هو متاح لدينا. ماذا نستطيع ان نفعل؟ هل نرفع الرايه البيضاء؟ نحن لن نرفع الرايه البيضاء. هل مطلوب منا امام العالم ان نقتل وان نكون الضحيه الطيبه حسنه الاخلاق التي تقتل دون ان يرتفع لها صوت؟ هذا غير ممكن بالمطلق
-الشهيد يحيى السنوار
ونتناول في مقال لاحق إن شاء الله تعالى كيف أن المفكر اللبناني مهدي عامل قد فهم هذه الثنائية السياسية والأخلاقية حين قدم تحليله الطبقي الاجتماعي لما يسميه “الأزمة البرجوازية” و”نمط الإنتاج الاستعماري” اللذين يحركان الطبقة الوسطى في بلداننا دائمًا نحو الطائفية الضيقة وبعيدًا عن المقاومة الجذرية للاستعمار بشكل دائم.





من قلب المأساة والنزوح أتحدث برفقة قلبي في شرح واقعي معيشي لا ترصده العدسات، ينجاوز خطحدود القدرة البشرية على الاحتمال، معكم صيب أبو عليان من قلب العلصفة غزة