لماذا ينعتونه بالجنون؟ - مقاربة فلسفية - المقالة صفر
لأنه جاد بنفسه في زمن نفسي نفسي
يتصاعد الدخان من أنقاض غزة في أعقاب السابع من أكتوبر من آثار القصف السجادي. تمثل خيوط الدخان المتصاعدة شرخًا غير مسبوق في المخيال السياسي العربي والعالمي عمومًا. في أوساط متوسطي طبقة الشرق الأوسط، وعلى صفحات الرأي البراقة في وسائل الإعلام الليبرالية الغربية. تتجاوز ردود الأفعال تجاه يحيى السنوار كل المعايير الجيوسياسية المعتادة للاستنكار، تتجلى في رفض حاد ولاذع ووجودي في جوهره.
شهدت التداعيات المباشرة لأحداث السابع من أكتوبر موجة من الاتهامات الموجهة إلى القيادة في غزة، واصفةً العملية بأنها عمل انتحاري للشعب الفلسطيني. وقد قامت شخصيات من عينة حازم صاغية وغيره من الأصوات الليبرالية في صحيفة الشرق الأوسط بتحليل تصرفات أبي إبراهيم باعتبارها مظهرًا من مظاهر العدمية، وتجاهلًا متهورًا لبقاء شعبه -بالمعنى البيولوجي فقط لكلمة بقاء- في سبيل تحقيق نصر “وهمي”.
لم يكن صاغية أول من رمى السنوار بالجنون ولن يكون الأخير، ولم يقتصر رميه بالجنون على تيار دون تيار أو قومية دون قومية، جميع من يكره السنوار يسوق ذات الحجج وذات الأدلة، لكنهم لا يستطيعون إخفاء أنهم يكرهونه بجنون، لقد وضعهم في ورطة، وأحال ليلهم نهارًا. في هذا المقال نحاول إلقاء الضوء على أسباب هذه الاتهامات الدائمة وبنيتها في الخطاب الوجودي الحداثي لدى جميع التيارات “الحداثية”.
إن رفض مفهوم التضحية الجذرية المعاصر عند فئات كبيرة من المجتمع لم يكن موجودًا في الفكر البشري بذات المركزية التي أصبح عليها حديثًا، ولم يكن تضخمه مجرد تطور استراتيجي أو عملي، بل هو على الحقيقة وبلا مواربة عرض من أعراض الأزمة الأخلاقية العالمية التي فرضتها البرجوازية الحداثية. حتى فكرة “الهوية” ذاتها بكل معانيها -الولاء للدولة القطرية أو للطائفة أو للجماعة أو الحزب- ليست منتجة لهذه الفكرة بل يتم توظيف الهوية ذاتها لإخفاء المصالح المادية خلفها. كل هذا يجعل إقبال أي من الفواعل السياسيين على سلوك التضحية مرآة كاشفة لكل انحطاط فكري وثقافي منيت به الطبقة الوسطى الحديثة.
وفي هذه السلسلة أحلل جذور هذه الفكرة من ناحية فلسفية أنطولوجية -وجودية عشان حبيبنا مريد محب- من خلال أربعة فروع نظرية رئيسية هي: فكرة اللاهوت السياسي -ولا سيما حالة الاستثناء السيادي عند كارل شميت وجورجيو أجامبين؛ وأخلاقيات الآخر عن ليفيناس؛ والنقد الماركسي للبرجوازية الاستعمارية عند مهدي عامل؛ ونظريات المقاومة ما بعد الاستعمارية والي تتمحور على فكرة الجسد السيادي عند فرانز فانون وأخيل ميمبي.
تجيب هذه السلسلة على سؤال نظري رئيسي هو: كيف تحولت الطبقة الوسطى في العالم العربي؟ وما الذي نتج عن هذا التحول من خيبة أمل وتحول وجودي أصبحت الأولوية فيه دائمًا للحفاظ على الحياة المجردة bare life على مستوى الفرد والتراكم النيوليبرالي على مستوى السوق، وتأخير كل التزام سياسي أخلاقي متجاوز.
نستخرج في هذه المقالات إطارًا مفاهيميًا هو “الجود بالنفس”؛ فقد وصف الإمام أحمد بن حنبل في ترحمه على رفيق محنته أحمد بن نصر الخزاعي الذي خطط لحراك ضد هارون الواثق في فتنة خلق القرآن ثم أخفق وانكشف وقتله الواثق صبرًا، فقال أحمد “رحمه الله، جاد بنفسه”.
نضع هذا المفهوم -الجود بالنفس- في مقابل الجبن. يمثل الأول نمطًا من الوجود السياسي يتحمل فيه الفرد مسئولية مطلقة تجاه الآخرين من المهمشين واللاجئين والمحرومين. بينما يمثل الثاني تضييقًا للأفق الأخلاقي لحماية الاستقرار الطبقي تحت ستار السياسات المعتدلة والعقلانية.
السنوار ليس وحده الذي يفي بمتطلبات هذا المفهوم، فكل سلوك تضحوي رآه المسلمون أخيرًا يخضع لمثل هذا بدءًا من شهيد مصر العزيز محمد صلاح ونهايةً بالساسة الإيرانيين من لدن السيد علي لاريجاني مرورًا بما قدمه على طريق القدس كل شهداء غزة ولبنان واليمن وإيران وفدائيي الضفة والأردن عليهم جميعًا رحمة الله وبركاته.
إن كان ثمة مشترك بين هذه الشخصيات فسيكون أنها جميعًا جسدت لاهوت التحرير الذي يركب بين الإيمان بمعناه الحر الملتهب في صدور المؤمنين، والعدالة الاجتماعية بمعناها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، كاشفين -رحمهم الله جميعًا- الوعي الزائف لنخبة تخلت عن كل أخلاقها العالمية منذ زمن وتعرت لصالح ما يصفونه بأنه رزانة استراتيجية مكذوبة.
هذه المقالات أكتبها حسبةً لله وتكريمًا للسادة الذين رسموا اللاحب الجددا عليهم على النبي وآل البيت أتم الصلوات والتسليمات.
يتبع ..


