استمعت لحلقة بودكاست د. كريم حلمي “بين الشريعة والطب النفسي: هل يحتاج المسلمون إلى علم النفس؟”
والحق أن الدكتور وطرحه هو أنضج من رأيتهم يتكلمون في هذه المساحة على الإطلاق. ولا غرابة كونه فيما أفهم تمكن من طرفي التناول لهذه المسألة كونه طبيبًا نفسيًا ومدرسًا للفقه معتنيًا بالتراث في الوقت ذاته.
والأهم من هذا وذاك هو أنه ليس إنسانًا مأزومًا تعتريه خفة الاحتياج الدائم لإثبات مسلمات مسبقة قبل أن يتعاطى معها.
قد لا يعلم الأصدقاء أن الفقير له تدوينة على منصة SubStack هي الأعلى قراءة فيما كتبته على الإطلاق بعنوان “ليس علم نفس وليس إسلاميًا” والتدوينة بالأساس تتعاطى مع فكرة محاولات إنتاج علم نفس إسلامي أو أسلمة الممارسة النفسية المعاصرة. وقد كانت التدوينة تالية على حضوري لندوة معقودة في أحد المؤسسات الشرعية المحترمة عن هذا الموضوع، وقد كان ما سمعته في هذه الندوة بشيء ضخم من محاولة حفظ اللسان عن التجاوز محض “تخريف”.
وعلم الله أنهم أفاضل من جهة الأخلاق والأدب، حتى أن مقدمة الندوة قد أعادت نشر تدوينتي بعد كتابتها في سلوك شديد الاحترام والأدب. ولكن الأدب لا يحول الكلام الباطل حقًا. والحق أن جل ما عليه مدار هذه المدرسة خليط من محاولات لاستبدال الحقل الاصطلاحي الغربي بآخر إسلامي من جهة المسميات لا أكثر، مع محاولات لتوسعة رقعة ما هو شرعي ليشمل ما ليس كذلك من علوم التصوف والتزكية.
الفقير موقر للتصوف وأهله ويجل علومه، غير أن كثير من الإسهامات “الصوفية” المعتمدة عليها في محاولات الأسلمة هذه هي محل تدقيق ومراجعة داخل التراث الصوفي ذاته. على سبيل المثال الصورة التي أرفقتها في مقالتي التي تحاول رسم خرائط لأنواع النفوس (المطمئنة واللوامة والأمارة بالسوء) ووضعها إزاء التقسيمات التزكوية بين (النفس - القلب - العقل - الروح) وكلها أمور لا تكاد تجد اتفاقًا على رسمها وفصلها داخل التراث الصوفي أصلًا. ولا عيب في هذا كون استعمالها في التراث الصوفي كان من لوازم عملية التربية الشخصية بين الشيخ والمريد. لكنها تستوجب كثير تدقيق إن أردت ضبطها علمًا قابلًا للقياس والطرد كأي علم يحترم نفسه.
مما سمعت يومها واستقبحته مثلًا، تعداد المحاضرة لعدد العلوم الواجب تعلمها لمن أراد تعلم هذا الحقل، فأوردت علوم التصوف والتزكية، والعلوم الشرعية، وعلوم اللغة، وأصول الفقه، والتربية، وأوردت بعض أصناف الفنون والمعارف الفنية، وعدت ما لا يقل عن العشرين فنًا، قبل أن تضيف بقليل اكتراث علم الطب باعتباره يأتي تاليًا في الأهمية بعد كل ما سبق. ومنها أنها قالت أن الشيخ المربي عليم بالطب وأمراض علم النفس ويمكنه أن يغني تلميذه حتى عن زيارة الطبيب، فهو كما وصفت “حاجة أكبر بكتير من مجرد طبيب”.
المهم، نعود للقاء د. كريم حلمي. فقد أجاد عرض مادته وأبان عن تمكن من مادته، واستقرار إلى غزير علمه. وهذا بيان لمواضع الاتفاق والاختلاف مع ما أورده في معرض كلامه.
انتقد د. كريم حلمي الأسلمة الساذجة التلفيقية، التي تعمد إلى المصطلحات الشرعية دون تحرير منهجي وتقسر النظريات النفسية الحديثة لتطابق آيات وأحاديث بعينها. مضيفًا أن الوحي جاء لإرساء الرؤية الكونية الكبرى Weltanschauung/WorldView وتحديد بوصلة الهدى والضلال لا تقديم دليلًا تشخيصيًا.
يحذر الدكتور كذلك من التهاون مع الاضطرابات النفسية وتزهيد المرضى في التدخلات الدوائية التي تنقذ حياة المرء تمامًا كما تفعل حقن الإنسولين ربما في بعض السياقات (كالـSSRI ومثبتات المزاج). وقد ضرب د. كريم قدرًا ذات المثال الذي سقته في تدوينتي حول اضطراب الـOCD الذي جرى ترجمته إلى “الوسواس القهري” مما سهل لكثير من المتساهلين ربطه بالـ”وسواس” الذي تصفه كتب التراث الذي ترجمته الأدق قد تذهب إلى whispers. الدكتور يحذر من الوعظ المجرد دون فهم إكلينيكي ويحذر من أنه بوضوح “قد يهلك المريض ويدمره” لأنه مرض ذو أساس بيولوجي وعصبي بوضوح.
الدكتور كذلك رفض تمدد سلوك “الرقاة” و”الوعاظ” غير المنضبطين إلى المساحات الإكلينيكية، وبناء التشخيص على تجارب وهمية غير موثقة تعطل مسار التداوي الظاهر؛ بتأكيده على الأصل الشرعي أن يرقي الإنسان نفسه تعبدًا مع الأخذ بالأسباب الطبية المادية بلا انقطاع -ومعنى الأصل هنا أن نقيضه خلاف الأولى لا تحريم نقيضه أو منعه.
يؤكد الدكتور على أهمية مراعاة السياق الثقافي والبيئي للمريض المسلم، وعدم الاكتفاء بنقل النماذج الغربية حرفيًا، وهو معنى وصفته في مقالتي بالاستغناء عن علم النغس الإسلامي بحثًا عن علم نفس للمسلمين psychology for Muslims باعتباره جهدًا أنفع بكثير من محاولات نحت كيان ابستمولوجي منفصل.
أمور قد لا أكون تعرضت لها في مقالتي وإن كنت أوافقه فيها 100% وهي: مهاجمته للـ Therapy Talk باعتباره ظاهرة لا علمية تبتذل المصطلح الاكلينيكي في الحياة اليومية (كأن يصف الإنسان إحباطًا عابرًا بالتروما) أفقد الحياة عفويتها. وقلل من شأن معاناة المرضى الحقيقيين. وتأكيده على أن غياب الخطاب الوعظي المنضبط وهيمنة الخطاب الذي يركز على التخويف دون الرجاء، مما يدفع النفوس الهشة إلى الاكتئاب واليأس. وتأكيده آخرًا أن الأزمة الأعمق للإنسان المعاصر تتلخص في فقدان البوصلة والغياب عن الإجابات الوجودية الكبرى المستمدة أصلًا من الوحي مما يؤدي إلى نوع من القلق والاضطراب الوجوديين.
لفته الانتباه لعلماء إسلاميين عظام، لا بوصفهم أطباء نفسيين ما قبل الطب النفسي، بل بوصف تراثهم المعرفي تراثًا خليق بأي عاقل أن يفاد منه بلا مسارعة إلى تصنيفهم والتدرع بهم لإنتاج كيانًا علميًا مشوهًا. كالبلخي وابن سينا والرازي والغزالي.
أما ما أختلف فيه مع الدكتور، مع الإقرار بفضله وعلمه وتخصصه، وأنه في ظني أعلم الرجلين وخيرهما، إن جاز اعتباري لي عند أصلًا إزاءه. بالإضافة إلى كون ملاحظاتي جلها يقع تحت باب الانطباعات عن كلامه لا التخطئة. وهي ما يلي:
ما استشعرته من تناول الدكتور -وقد أكون مخطئًا- من وصف التصنيف النفسي الحديث باعتباره علمًا وصفيًا محايدًا من الناحية القيمية يستند إلى مبادئ تجريبية، والحق أن علم النفس الحديث يخفي قيمًا علمانية وفردانية ليبرالية ومبادئ نيو-كانطية في كل تصنيفاته سواءً الأمريكي منها DSM أو الدولي ICD.
وهو ما يظهر مثلًا في دعوة الدكتور للاستفادة من التراث السينوي أو الغزالي أو ما أضافه البلخي في مجال مصالح الأبدان والأنفس. وهؤلاء وإسهاماتهم في معالجة النفوس هي أمور سترفضها بوضوح أي ممارسة طب-نفسية حديثة، لأنها بوضوح ليست طبيعانية بما يكفي، وليست إنسانية علمانية كما يجب. وفي رأيي في هذه المجالات صدق البلخي وابن سينا والغزالي وكذب العلم الحديث، وإن أخللنا بالقسمة الثنائية هذه في سبيل ذلك.
ومثال آخر يظهر بجلاء عند التعمق في أساليب العلاج النفسية الحديثة السلوكي المعرفي CBT أو القبول والالتزام ACT أو الدينامي. كلها تستند إلى فلسفة أخلاقية علمانية، يفترض المعرفي السلوكي مثلًا وجهو نظر إنسانية علمانية جدًا فيما يتعلق بالعمليات الإداكية ذاتها. فالشعور باللوم الذاتي مثلًا في هذه العلاجات يُنظَر إليه أنه MalAdaptive لأنه ببساطة ضد الراحة الشخصية والفعالية الاجتماعية. وهو تصنيف لا يتفق بحال مع الفلسفة الإسلامية التي تصنف الحالات المعرفية تبعًا لاتفاقها مع الحق (الواجب الإلهي) والتكليف الأخلاقي والشعور الوجودي بالخشية والمراقبة (كما سأبين في النقطة التالية).
دعوى أن علوم الوحي تتعامل مع الفضيلة والأخلاق، في حين يتعامل علم النفس الإكلينيكي مع الأعراض النفسية وآليات عمل الدماغ. هذه القسمة المحضة هي بنت تصور لقسمة محضة أصلًا بين الحقائق والقيم. والحق أن القسمة ليست بهذه الحدية من جهة التفلسف، ولا من جهة التطبيق. وأمراض كالاكتئاب الشديد، والقلق العام، والقلق الاجتماعي على الحقيقة تجمع بين حالات عاطفية ووجودية وسلوكية مختلفة. في الوقت الذي ستتعاطى فيه قسمة د. كريم مع loss of mood، loss of pleasure (anhedonia) باعتبارها أعراضًا مرضية (اكتئاب). فاللغة العربية ذاتها لا العلم المؤسلم ستحاول نوعًا من التفرقة بين ما هو حزن ومرادفه Sorrow، والابتلاء spirtual trials، والغفلة moral apathy. وكل واحدة من هؤلاء ستوجهنا إلى ممارسة (إسلامية) ما تعالج هذا الاكتئاب، بالمزاملة لعلم النفس الغربي. بلا قسمة حادة بين ممارسة طبيب الأبدان (السايكايتري) وطبيب الأديان (المربي/الشيخ/ أو حتى الواعظ).
مثال آخر في نفس الباب .. في الوقت الذي ستعتبر فيه القسمة الحادة اضطراب القلق العام GAD وهي حالة تتميز بالخوف المستمر والتيقظ وانشحاذ الاستجابات لأي منبه ولو كان بسيطًا. سيلزم الاعتبار الإسلامي الإنسان المسلم أن يفرق بين هذه الحالة المرضية، وبين حالة أخرى يمكن وصفها تجوزًا بالخوف المستمر والتيقظ وانشحاذ الاستجابات لأي منبه لكن لا بدافع المرض النفسي ولكن بدافع الخشية والمراقبة.
أعلم أن الخلاف في هذه يبدو لفظيًا، وأنه بكل تأكيد ليس هذا ما عناه الدكتور في كلامه، غير أن التنبيه على هذه التفرقة بما يلزم ترك الحدية عند التقسيم أمر ضروري من وجهة نظري، والله أعلم.
خلاصة ما أود قوله ها هنا، أنني أتفق مع الدكتور في شن الغارة على الممارسات التهجينية التي تحاول أسلمة علم النفس الغربي، كونها ممارسات لا تحترم الإسلام ولا تحترم العلم أو كما وصفت سابقًأ “ليس علم نفس وليس إسلاميًا”. غير أني في الوقت ذاته أرفض محاولات اعتبار أن التوفيق بين علم النفس بنسخته الحالية وبين الإسلام تمامًا، وهو أمر غير متصور لأنه علم علماني بحكم النشأة، بدأ أول ما بدأ مستبطنًا أن الله ليس موجودًا، وأن المتجاوز لا وجود له، وأن النفس (الروح) البشرية ظاهرة تحتاج إلى بعض الضبط العلمي. ثم مع تطورات هذا العلم وتصدع المشروع التنويري الحداثي، قبلت الدراسات النفسية بوجود الدين على هامش المتن النفسي، يمكنه أن يتكلم إن أذن له العلم، على أن يتكلم بأدب ولا يتجاوز المسموح له به.
نعم نحن نرفض أن يكون رجل الدين (سواءً أكان فقيهًا أو مربيًا أو حتى قاضيًا شرعيًا بل والله لو كان خليفة المسلمين) نرفض أن يتكلم في كل شأن وأن يفتي في فنه وغير فنه. ونؤمن أن هؤلاء حين تسوروا ما لم يكن ينبغي لهم أن يتسوروه أفسدوا من حيث أرادوا الإصلاح، ثم لما تكرر تحذيرهم من مغبة أفعالهم وأصر بعضهم صاروا يفسدون من حيث يريدون الإفساد وقد انتفى عنهم العذر. هذه قضية منبتة الصلة تمامًا عن رفضنا إبعاد الدين ذاته عن المجال العلمي ، إمبريقيًا كان أو فكريًا. وعليه فهذه العلوم عندنا قابلة للتكذيب، لا بالمعيار البوبري الجزئي، بل في سياق افتراضاتها الكلية أصلًا.
القاعدة بسيطة: أبعد رجال الدين عن علم النفس، ولا تبعد الدين عنها. وأكرر بعد كل ما سبق احترامي للدكتور كريم حلمي، وجزمي بأنه لن يختلف ربما كثيرًا أو قليلًا مع هذا التعليق، غير أن التعليق لا على شخصه بقدر كونه “على ما بدا لي” من الحلقة. وبالتأكيد أرشح الحلقة لأي مهتم بهذا المجال.



