علمني عمر النعماني ..
لا يخفى على علم من يعرفني جيدًا أني كنت شخصًا ذا انطباع سيء عن مفهوم “العمران الإسلامي” حتى وقت قريب. وأني أتحسس مسدسي دومًا من أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم.
بصفتي لستُ من أهل القاهرة الأصليين، بل جئت إليها كالمخطوف من بلده التي يحب، وأهله الذين يعطفون. واصطدمت بوحشة أهل المدينة، وعمليتهم المفرطة، وتنافسيتهم القاتلة، حتى أني لأذكر شهورًا لم أكلم فيها شخصًا من الاصطدام بماكينة الطحن المسماة القاهرة تلك.
ولا شك عندي، أن الله قد شاء أن يفتح عليّ بصحبة أزالت من وحشتي وأخذت من دهشتي، وإن كنت لم أزل من المتحسسين من القاهرة وحياتها عمومًا، غير أنها فعلت في ما فعلته في أهلها جميعًا من التكسكة، تحبها ولا تقدر على بعدها.
المهم أني تذكرت أني في العام الأول من مقدمي، كنت مكثر من الصياح على الانترنت مصرحًا ببغضي للقاهرة، حتى اتصل بي خالي العزيز المرحوم أ. د. أحمد صفوت صادق يدعوني لمنزله. كلمني خالي عن طفولته يوم جاء به جدي أول الأمر صغيرًا يكاد لا يعرف شيئًا، وتركه مجاورًا في حي الأزهر ثم تركه راحلًا. وكيف أنه عانى ما أعانيه، حتى أنه تعرف في “صياحي” على ما يذكره من أيام صباه.
ونصحني نصيحة بسيطة جدًا أقنعتني رغم أني لم ألزمها كما ينبغي، وهي أن أصلي كل جمعة في مسجد من مساجد القاهرة الأثرية المختلفة حتى أتعرف إلى القاهرة الأثرية، لا قاهرة العوادم والغبار.
لزمت نصحه بعض شهور، ولا زلت حتى اليوم أستشعر الاطمئنان في مساجد كالمؤيد والعزيز بالله والأزهر وسيدنا الحسين -في غير أيام الجمعة للازدحام- ثم توقفت عن هذا لفترة.
ومن شهور قلائل، أقبلت على حضور جولات أ. عمر النعماني، كانت أولى جولاتي كما أذكر في شارع الصليبة، فأقبلت على قراءة كل ما يقع تحت يديّ حول هذا الشارع قبل الجولة، وكانت من أروع أيام حياتي.
للجولات شعور لا يفهمه إلا من يواظب على حضورها، ربما لن تحفظ الأسماء والرسوم ولا حتى أسماء الشوارع والمعالم -دائمًا ما أختبر حفظي للمساجد من صور واجهاتها وأكون ظانًا أني حفظتها فلا أتعرف عليها- لكن المؤكد أنك إن حضرت مرة أو اثنتين لن تتوقف عن الحضور أبدًا فيما أحسب.
أعود على بدء، لم تنصلح علاقتي بمفهوم “العمارة الإسلامية” كثيرًا -وأرجو ألا يغضب م. طارق وجيه من كلامي ويرقعني مقالة أخرى :3- ولكني أحببت الجولات.
في ظني تقدم لي هذه الجولات تفاعلًا ما بين العناصر المبنية-على اضطراب علاقتي بها، ونصوص المقريزي بشكل ما، مع شيء من ذاكرتي الشخصية ينبني في روائح هذه الأمكنة وما ستحمله لي من ذكريات، وما سآكله من مطاعم هذه المناطق -الغريبة الأسعار والجودة.
كيف تخلق الأشكال الحضرية معنى جماعي، لو لم يكن هذا المعنى سر العمران أو روح المكان، فهو ذاكرة شخصية أتعرفها في نفسي وفي 5 أو 6 من الأصدقاء حضرنا معًا هذه الجولة أو تلك.
أحب الفينومينولوجيا -الظواهرية- التي لا تنظر إلى المكان على هندسته أو معماره بقدر ما تنظر له من خلال ما شكله هذا المكان في التفاعل الجسدي والإدراك الحسي الشخصي جدًا.
المدينة في رأيي نص يمكن قراءته أو كتابته. أتخيل دائمًا أن شوارع القاهرة الإسلامية كانت سطور شدها -بمعنى رسمها- أمير مملوكي أو فاطمي ما، ثم كتب عليها كل من بنى أو شيد في هذا الشارع من الناس. تخلق السرديات الشعبية نصوصًا غير معترف بها، وبطبيعة الحال يصعب الاعتراف بها اليوم لأسباب هيكلية.
أتذكر قول ابن عربشاه:
وما الدهر إلا سلم فبقدر ما ... يكون صعود المرء فيه هبوطه
وهيهات ما فيه يزول وإنما ... شروط الذي يرقى إليه سقوطه
فمن كان أعلى كان أوفى تهشمًا ... وفاء بما قامت عليه شروطه
كان موكب الأمير شيخو (صاحب الجامع والخانقاه الشهريني اللذين يخنقا المشهد البصري في شارع الصليبة) يمر في موكب رهيب عابرًا في هذا الشارع يزهو بنفسه، وفي غضون سنوات ستة كان يعبر ذات الشارع نازفًا فاقدًا للوعي، بعد أن هاجمه جندي غاضب في اقتحام لقصر السلطان في القلعة، فجلبوه إلى قصره في الشارع، وظل مريضًا فيه حتى مات.
كذا فعل الدهر بفاطمة الخزبكية التي كانت الزوجة الوحيدة للسلطان المملوكي الشركسي الأعظم قايتباي، بعدما مات عنها زوجها، نزلت من القلعة وقطعت شارع الصليبة، منتقلة إلى قصرها في شارع بورسعيد. وتعرضت، وهي في بيتها لإعانات متتالية من خلفاء قايتباي، حتى تمكنت من إيقاع قائد الجيوش طومان باي -وهي في الخمسين من عمرها- وبعدها بشهور أطاح طومان باي بالسلطان وجلس على العرش.
وخرجت فاطمة من قصرها في موكب مهيب رفقة ضباط زوجها، وخلفها 200 زوجة لأمراء ومسئولين كبار -غالبًا ساهمن في إذلالها- وقطعت شارع الصليبة ذاته عائدة إلى القلعة. وقد قرأ لها ابن إياس قصيدة ذكر أنها أصابت منها حبورًا.
وبعد أقل من شهرين، اضطرت السيدة فاطمة إلى العودة بهدوء وبلا صخب إلى قصرها ومرت في شارع الصليبة خائبة للمرة الثانية. لقد تم طرد زوجها وإعدامه. وبعد سنوات ثلاث مر موكب يحملها على ظهرها، ينقل جثمانها عبر ذات الشارع مرة أخيرة، يقوده الأمراء والقضاة. صلى الغوري صلاة الجنازة على جثمانها، ثم صادر كل ممتلكاتها.
هذه قصة جميلة يحكيها شارع الصليبة للزائر المنصت. مفهوم المشي في المدينة Wandersmann الذي يتحدث عنه ميشيل دي سيرتو هو عمل إبداعي تمامًا كالخطاب البشري؛ فهو يفعل ذات ما يفعله الخطاب، يعيد تشكيل المادة من خلال الإبداع والتجديد. وعمر والحق يقال هو أبدع Wandersmann رأته عيناي. كما أن Amr Hamdy Elsayed هو أعظم Palimpsest رأته عيناي -ولذلك قصة أخرى-
(تدوينة جميلة عن المفهوم وكاتبه من مدونة الفلسفة في الحياة اليومية)
أخيرًا فالمحزن هنا أني أجدني أحيانًا “أقفش” نفسي محبًا للقاهرة .. بس بستغفر.





