عندما ورث أبو عبيدة لثام النبي
عن الملثم الذي لم يظل ملثمنا
في التاريخ العسكري، كان سلاح الإعلام دائمًا يقوم بأدوار "عسكرية". وهو الأمر الذي نكرره ليل نهار منذ اشتعلت هذه الحرب، نقول أن ما تكتبونه يا قومنا هو عمل عسكري محض، تخذيلكم وإرجافكم عمل عسكري، ونصرتكم وتثبيتكم للذين آمنوا عمل عسكري. وكما يقول طارق خميس، الاقتناع بالهزيمة حرية شخصية، والترويج لها عمل واعي ضد الأمة لا حرية فيه.
لماذا أقول ما أقول؟
لأني هنا سأتكلم عن رجل دوره هو الإعلام العسكري، لكنه ترك دوره العسكري عمدًا. أتحدث هنا عن سيدنا حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، عن أبي عبيدة، عن العالم الرباني وريث الأنبياء وسليل العلم والعمل.
في أول هذه الحرب، تعومل مع خطابات الرجل بشكل "فلكلوري" احتفالي يرى في الرجل عز الإسلام ومجده وعنفوانه، كان الناس ينتظرون من الرجل أن يشعرهم بتمام نقائصهم، فيتبارون في تحليل كلماته، وفهم إشاراته.
ثم فتر الرجل عن البيانات، كأنه نظر إلى لا جدوى إحياء الموتى وإسماع من في القبور.
أنظر اليوم فأجدني ممتنًا لأن وريث النبي لم يمت إلا وقد أدى رسالته كاملة، رسالته هنا لم تكن الإبانة "العسكرية" عن واقع كتائبه وتوعد الصهاينة. بل كانت ما قاله بوضوح في خطابه الأخير.
قال: "21 شهرًا تلخصت في ثبات الجبال من مجاهدي ومقاومي شعبنا وصبر الأنبياء من شعبنا العظيم الأبي المعطاء"
وقال "وخذلان مخز من أشقاء الدم والعروبة والإسلام .. إلا من رحم الله من الصادقين والمجاهدين، والشعوب المقهورة المغلوب على أمرها"
وقال "إننا إذ نفخر بثبات وبطولات مجاهدينا، فإننا ندرك حجم الألم والمعاناة التي يعيشها شعبنا المكلوم وأهلنا الصابرون الذين نعيش آلامهم يومًا وبيوم" "وقيامنا بواجبنا الذي كلفنا به ربنا في مدافعة هذا العدو لا يعفي *أمة المليارين" من واجبها الذي *ضيعته للأسف*"
قال في وضوح غير دبلوماسي وغير استراتيجي "في حين تتفرج أنظمة وقوى أمتنا على أشقائهم في أرض الرباط وهم يموتون بعشرات الآلاف ويجوعون ويمنعون الماء والدواء"
وقال "يا قادة هذه الأمة الإسلامية والعربية ويا نخبها وأحزابها الكبيرة ويا علمائها .. أنتم خصومنا أمام الله عز وجل .. أنتم خصوم كل طفل يتيم وكل ثكلى وكل نازح ومشرد ومكلوم وجريح ومجوع"
قال "إن رقابكمك مثقلة بدماء عشرات الآلاف من الأبرياء الذين خذلوا بصمتكم، وإن هذا العدو المجرم لم يكن ليرتكب هذه الإبادة على مسمعكم ومرآكم إلا وقد أمن العقوبة وضمن الصمت واشترى الخذلان"
قال "أما تستطيع أمة كبيرة عظيمة مجيدة أن تدخل طعامًا وماءً ودواءً للمجوعين والمحاصرين في شعب غزة وتوقف شلال دمائهم"
وقال في مدح سادة اليمن الصادقين البررة من الشيعة "وفرضوا على العدو جبهة فاعلة أقامت الحجة الدامغة على القاعدين والخانعين من أنظمة وقوى وأحزاب عربية وإسلامية كبيرة بات بعضها للأسف واجهات للظلم ومسكنات للشعوب"
قال كذلك مادحًا من سيسقط جلد وجوهنا حياءً منه أن خذلنا المتكلم "يا أحباب محمد صلى الله عليه وسلم الذي حوصر في الشعب وطورد إلى الغار وألجئ إلى أحد فجاءه الغوث من ربه فسيكفيكهم الله يا إخوة آل ياسر إذ عذبوا في الله"
تكمن المفارقة الكحلوتية في رأيي في الانفصال بين المركزية الرمزية للملثم -الذي تقاطع خطاباته حفلات الزفاف ويلتصق الأطفال بالشاشات عبر العالم العربي لمشاهدته وتقليده- والشلل الجيوسياسي الملموس للمؤسسات الرسمية في العالم الإسلامي.
بينما يشارك قادة الدول والهيئات الدولية في دبلوماسية الاحتواء، التي لا تحتوي العربدة الصهيونية، فإن خطاب أبو عبيدة يعمل في سجل زمني وأخلاقي مختلف.
يتحدث أبو عبيدة من داخل "حالة الاستثناء"، وهي منطقة يعلق فيها القانون، والسلطة الوحيدة المتبقية هي "إقامة الحجة" من خلال التضحية والثبات.
أبو عبيدة قال في خطاب سابق "أقول لزعماء أمتنا العربية من قلب المعركة التي يشاهدون تفاصيلها عبر الشاشات، إننا لا نطالبكم بالتحرك لتدافعوا عن أطفال العروبة والإسلام في غزة من خلال تحريك جيوشكم -لا سمح الله- ولا أن تدافعوا عن أقدس مقدساتكم، ولا أن تغضبوا لشتم نبيكم ﷺ في قلب مسراه ومعراجه إلى السماء، لا نطالبكم بذلك، فنحن أخذنا على عاتقنا كنس هذا الاحتلال وإساءة وجهه، ولكن هل وصل بكم الضعف والعجز أنكم لا تستطيعون تحريك سيارات الإغاثة والمساعدات الإنسانية إلى جزء من أرضكم العربية الإسلامية الخالصة رغما عن هذا العدو المهزوم المأزوم؟"
قال في خطاب أسبق " نحيط ملياري مسلم في العالم بأن العدو الصهيوني وخلال مائة يوم دمر معظم مساجد قطاع غزة ودنس وأحرق وجرف تلك التي وصلت إليها آلياته على الأرض وأوقف الأذان والصلاة في حرب دينية واضحة"
قال "وإن أضعف الإيمان لمن عجز عن نصرة الدماء البريئة أن ينصر دين الله إذ هدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا فلتم صلوات القيام والقنوت في هذا الشهر الحرام في كل مساجد العالم"
تحول لثام الملثم من غطاء أمني إلى حاجب يحجب أنفاس الرجل الطيبة عن العالم الكريه، وتحول دور المتحدث العسكري الذي أنطقه الله قبل أن يلقاه على رباط إلى ما هو أكبر من التحدث العسكري، إلى شاهد حضاري على خذلان أمة المليارين.
يمثل تحول أبو عبيدة من متحدث عسكري إلى شاهد حضاري تشخيصًا نهائيًا لفشل الدولة القومية الحديثة في عالمنا الإسلامي كله. لم تهزم خطابات أبو عبيدة جيش الصهاينة أو تزلزله، بقدر ما زعزعت النظام العالمي نفسه، وحكومات الأمر الواقع وأحسن من سوريا والعراق ذاتها.
من خلال التأكيد على أن قطاع غزة الرباني هو أعظم مدرسة للأمة، يجعل خطاب أبو عبيدة الأمة كلها حكامًا وقادة رأي وشعوبًا في الموقع الرئيس للمساءلة.
الشهادة الحضارية التي يُشهد فيها خليفة النبي نبيه علينا تجبر كل مشاهد على الاختيار بين المقاومة وحلفها وكل من حالفتهم في الخطوط الأمامية للحرب مع الصهاينة أو التواطؤ المطلق مع العواصم العربية.
هذه هي أقوى أشكال المقاومة اللغوية التي تفكك شرعية النظام ما بعد الاستعماري بمجرد التعبير عن الحقيقة حين تتخلى عن نفسها ولا يتخلى الملثم عنها.
ما الذي حملني على كتابة هذا المقال؟
كلام سفيه رأيته في صفحة أحد المستلفة يقول فيه أن إيران نجحت في إقناع المسلمين أن سب أبي بكر وعمر يهون، وسب نصر الله وخامنئي لا يهون.
والحقيقة التي أنطق الله بها وليه حذيفة يا سفيه، أن إسرائيل أقنعت أمثالكم أن حرق المساجد ووقف الأذان وتدنيس المصحف وإساءة الدين الإسلامي وإهانة مسرى نبينا فضلًا عن إهانة نبينا نفسه، أهون عندكم -يا منافقين- من مذهب الشيعة في الصحابة.
أقول يا أهلنا، أن العالم الذي شهد وسمع هذا الشهيد يتحدث، وأقول الشهيد هنا بمعنى الكلمة الأقل شهرة، الذي شهد لا الذي استشهد، شهد على خذلانكم وتفاهتكم وحقارة نفوسكم وجبن أخلاقكم. أقول إن العالم الذي سمعه وقد أنطقه الله بما أنطقه به، لا يسوغ أن يرتد إلى العالم الذي لم يسمعه ولم يشهده.
لا يليق أن نظل نسمع هذه التفاهات، بعدما سمعنا ما سمعنا.
لا يليق ولا يصح.



رباط نعال طفل من غزة وليس سيدنا ابو عبيدة فقط افضل الف مرة من الامة الاسلامية جمعاء