شوق للأمكنة
صليتُ اليوم في مصلى كلية الأسنان ..
ابتسم لي الرجل الهادئ عامل المسجد ابتسامة المتفقد فرددتها بمثلها ..
ثم؟
انتهت الحكاية
5 سنوات وأنا أصلي في هذا المسجد
لم أفز فيها بصحبة الرجل ولم أحادثه يومًا فيما أذكر ..
__
كذلك هي علاقتي بمقيم شعائر مسجد شلبية الأقل قربًا من منزلي في صلاة الفجر ..
الرجل ذو صوت أجش خشن لا يمكن وصفه بالحسن أو الجميل، لكن يمكنني أن أقسم بالله غير حانث أنه خاشع ..
هذا رجل يخرج القرآن من قلبه لا من فمه
__
ولأن مراتب الخلق عند خالقهم تترتب في ملئه بناءً على إيقافه لهم في هذه المواقف
فهؤلاء قطعًا من ملء مذكور عنده
هما وعم ثابت في زاوية زمزم تحت منزلنا في جرجا
عم ثابت الذي صليت معه في المسجد لأكثر من 9 سنوات قبل أن آتي القاهرة ولم يفتأ ينس اسمي
__
المهم ..
أن ابتسامة هؤلاء الهادئة المجاملة بالتحية تعني شيئًا واحدًا
هم يذكرونني ..
جميل جدًا أن يؤتي الله وجه ابن آدم بعض عضلات تعينه على أن يُعَرِّفَ الناس بأنه يذكرهم
ابتسامة المجامل - وارتفاعة حاجبي المشتاق المتسائل - وبحة صوت الخاشع ولمعان عيون الباكي ..
آتانا الله البيان كي نُشعِرَ الناس بذلك
__
لكن سؤالي هو ..
كيف هو حال هذا المصحف الذي لم أعتد القراءة في غيره في زاوية زمزم في جرجا؟
وحال العمود الذي أحب الاتكاء عليه في شلبية في العباسية
وكيف هو حال الدولاب رقم 22 الذي لا أحب إلا وضع حذائي فيه في مسجد أسنان في القصر العيني
إن كان أهل هذه الأمكنة من بني البشر قد ألفوني وألفتهم ..
وإن كنتُ بقليل من الغياب أتيقن من وحشتي دون أماكن أفتقدها في كل مكان أتغيب عنه
فسؤالي هنا
هل تشتاق هذه الأمكنة إليّ؟
هل تعلقت هذه المساجد بي وأصابها ما أصابني من الوجد والاستعذاب؟
وهل تفتقدني إذ غبتُ عنها؟
__
وبما أن الله عز وجل قد ميزنا بني البشر بسرعة الزوال كذلك ..
فهل ستذكرني هذه الأماكن في تسبيحها ودعائها ربها يوم أزول وأحتاج لذلك؟
سبحان من أنطق الجذع بالشوق لمحبوبه المصطفى فطمأنه لمثل هذا
وهز جبل أحد طربًا لوقوف النبي وخلفاءه الثلاثة عليه
__
أعرف كذلك الوحشة في الطابق الذي تسكنه جدتي في بيت جرجا
أعرفها في إظلامه الذي لا ينيره التيار
وبرودته التي تحنو عليّ حنو الفاقد على الفاقد
لمستها يوم زرتُ بيتَ عمي أحمد فوجدت في طابقه ما أجد في بيت جدتي
هذا بالقطع مكان يشتاق لصاحبيه .. عمي وزوجه ..
برودة ووحشة أدفئها بزيارة هؤلاء في قبورهم والتمتمة بآيات سورة الملك التي أحفظتني إياها عمتي عفاف يومًا فلما أنسها وصوتها بها يتردد في ذهني
__
في الحقيقة أنا لن أطيق نفسي إن وصلت إلى الستين والسبعين
في هكذا عمر ستمتلئ جنبات الأرض بأماكن موحشة وتمتلئ أدراج مكتبي بأشياء تذكرني بمن أفقدهم
وأنا (ورغم كثرة من فقدتهم) لا أتحمل مرارة الفقد
مرارة تشعل جنبات قلبي وتبلوني بشعور أكرهه ولا أستطيع تحمله
كم من عزيز سخطتُ عليه فقط لأنه لا يقدر كيف أن هذا الشعور موذٍ
__
اللهم آنس وحشتنا في الدنيا والآخرة



بعد تخرجي افتقدت مقام الإمام البوصيري
كنت أقلّب في صور الهاتف فوقفت عند صورة له وتساءلت نفس السؤال هي يفتقدني المقام ومكاني فيه مثلما أفتقده
هل يعرفني؟
كتبت مرة فجاءني الرد أنه يعرفني ويشهد لي يوم القيامة وبقي رجائي أن تكون المحبة متبادلة والشوق كذلك
الكِبَر أحد أهم المجاهيل التي تخيفني،جدتي تصاب بالهلع عند كل قريب لها يُتوفى،وأمي تظل تعد الناس المتبقين من الذين ربطتها بهم علاقة يوما ما،وأنا أتساءل كل مرة أدعوا الله فيها بطول العمر وحسن عن الصحابي أنس بن مالك كيف شعر عندما كان آخر من مات من الصحابة،استوحش في الدنيا بعد رسول الله وصحبه،كل منا له نصيبه من الوحشة كما له نصيبه من الُأنس،ولكن يتناسب نصيب الوحشة طرديا مع عداد العمر،ذو شجون والله يا يحيى