عندما نظف اليهود فناء النبي
عن تاريخ الأقصى الذي نعرفه ونجهله
بحلول أوائل القرن السابع الميلادي، وفي الوقت الذي كان فيه حضرة نبينا صلى الله عليه وعلى آله يصنعه ربه على عينه في صحراء بكة، تحولت المنطقة التي يشغلها المسجد الأقصى اليوم لإهمال من النخبة البيزنطية الحاكمة لبيت المقدس. كان الإهمال عمديًا ومستند إلى نبوءة بيزنطية في أناجيل متى 24:2، ومرقس 13:2، ولوقا 21:6، تنص على أنه “لن يُترَك حجر على حجر”. ولضمان استمرار صحة هذه النبوءة، حولت الإدارة الامبراطورية ما يعتبره اليهود موقعًا للهيكل الثاني إلى موقع للإهمال الممنهج. كانت قناعة البيزنطيين المسيحيين أن تحويل موقع الهيكل المقدس إلى مكب للنفايات ضروريًا لبقاء نور كنيسة القيامة ساطعًا على البلدة القديمة في القدس.
كان تدنيس موقع الهيكل يجري عبر أعمال ثابتة. فمنذ عهد هيلانة -والدة قسطنطين- كانت نفايات المدينة تُلقى عمدًا باتجاه الصخرة المقدسة. عرف البيزنطيون الموقع بكونه مكبًا للنفايات، وكان إلقاء القاذورات على الجبل بمثابة عبادة. وتأكيدًا ماديًا على أن إله إسرائيل قد تم استبداله بمسيح الرومان. دنس الروم مكانًا مقدسًا غاليًا عند الله وعند رسله فاستوجبوا غضب الله ولعنات المؤمنين عبر التاريخ البشري.
لم يدم هذا الوضع طويلًأ، ففي عام 614 ميلاديًا وفي جزء من الحرب الرومانية الساسانية التي سجلها القرآن العظيم، اجتاح الجنرال العبقري شهربرز بلاد الشام في حملة عسكرية أرعبت هرقلًا. و”غُلِبَت الروم في أدنى الأرض”. سقطت القدس مدينة المقدسات وسقط معها احتكار البيزنطيين لها. سقطت المدينة بمذبحة زعم المؤرخون المسيحيون أنها أودت بحياة 90 ألف إنسان، واستولى شهربرز على الصليب الحقيقي -الذي صُلِب عليه شبيه المسيح عليه السلام- وأرسله إلى قطسيفون -المدائن عاصمة كسرى- كغنيمة حرب.
احتفى اليهود بهذه اللحظة، فبعد 5 قرون من القمع الروماني والبيزنطي، أتاح الفرس فرصة تاريخية قلما يجود الزمان بمثلها على من وصفهم كتاب الله بالمغضوب عليهم. عين الساسانيون الفرس -المعروفون ببراغماتيتهم الديني- قادةً يهودًا في حملتهم العسكرية على المدينة المقدسة مستغلين ثاراتهم الدينية. كان من بين القادة نحميا بن حوشيل وبنيامين الطبري اللذين أدارا البلدة القديمة وأصبحا لأول مرة منذ قرون خمسة هم المسيطرين على بيت المقدس. لم يكتف اليهود بالطبع بالاستيلاء على السلطة أو التنكيل بخصومهم الدينيين، ولكنهم -وفورًا- حملوا المعاول كما يصف سفر زربابل والمؤخر سيبوس، وقاموا بجهد محموم لإزالة آثار عدوان البيزنطيين من جبل الهيكل.
كان هذا الترميم الأول للموقع منذ قرون. وعلى مدى سنين ثلاث (614-617)، عملت الجالية اليهودية على إزالة طبقات الاستعمار البيزنطي من موقع المسجد الأقصى. أنشأوا مذبحًا واستأنفوا طقوس التضحية اليهودية، وهي أعمال كانوا يمنون النفس بها منذ عام 70م. سجلت القصائد الليتورجية التي أنشدها اليهودي إليعازر بن كالير “إلى المذابح أيها الجبابرة” امتلاء نفوس يهود هذا الزمان بالأمل في أن “المرتفعات الطاهرة” تعود أخيرًا إلى حماتها الشرعيين. بل لعل اليهود يومها أفرطوا في التفاؤل كما فعل أبناء عمومتهم في يثرب إذ كانوا يمنون أنفسهم بخروج الموعود الذي سيقتلون به خصومهم قتل عاد.
غفل يهود الشام ويهود يثرب وبيزنطيو الشام والقسطنطينية يومها أن هذا الموعود في هذه الفترة كان قد خرج بالفعل -صلوات ربي وسلامه عليه- وأنه كان في نفس هذه السنين الثلاثة يجوع ويتضرع إلى الله لأن قومه من أهل الكرم والقرى قد حاصروه مع قومه بني هاشم في شعب أبي طالب، وأن الله قد ابتلاه في هذه السنين بابتلاءات عدة: وفاة عمه، ووفاة أم المؤمنين خديجة، وتكذيب أهل الطائف له ورمي سفائهم إياه بالحجارة.
ولكن مقام سيدنا رسول الله عند ربه عالٍ، وربه يمهد له الأرض تمهيدًا. بل إن الله عز وجل قد سخّر له خصومه يكنسون له 500 عام من النفايات في المكان الذي سيشرفه بزيارته خلال أشهر. ينظف اليهود فناء الأقصى الشريف من دنس البيزنطيين، لأن هذه البقعة المباركة ستشهد بعث مئة ألف أو يزيدون هم خير خلق الله من البشر، الرسل والأنبياء على موعد مع الائتمام به -صلى الله عليه وعليهم- في بيت المقدس. ولا يسوغ أن يصلي فيه وهو على هذه الحال. فقلب الله موازين التاريخ ليغلب الفرس مستعينين باليهود على هذه البقعة المباركة.
الآن وقد حُلّت مشكلة القمامة، بقي وجود اليهود. كيف يدخل النبي صلى الله عليه وسلم هذا المكان إذن وهو مأهول باليهود الذين أقاموا المذبح؟
الحقيقة أن هذا التحالف اليهودي الساساني قد بُني على أسس هشة. فقد سحب الفرس دعمهم فجأة، مدركين بأن حكم أغلبية مسيحية ثائرة سيكون أسهل بكثير إن تم عبر بيروقراطية بيزنطية تقليدية لا تعادي دينهم، بدلًا من المغصوب عليهم من اليهود. وبحلول عام 617م، أدت ثورة مسيحية في بيت المقدس إلى مقتل نحميا بن حوشيل، وطُرِدَ اليهود مرةً أخرى -نسأل الله أن يرد الكرة عليهم ويوفقنا لطردهم منها- فاضطر قادة الفرس إلى إعادة المسيحيين لحكم المدينة. وخربوا المذبح الذي كان قد شرع اليهود في بنائه. وعادت المدينة لتنير كنيسة القيامة وليظلم الأقصى ويُهجر. ولكنه الآن أصبح طاهرًا.
في خضم هذه الاضطرابات الإمبراطورية، وفي حوالي عام 621 ميلاديًا، قام سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم برحلة الإسراء والمعراج. أسرى الله بعبده ليلًا إلى المسجد الأقصى وقد بارك الله حوله. حدثت الرحلة خلال فترة فريدة في تاريخ هذه البقعة المباركة كانت طاهرة لفترة وجيزة. كان جبل الهيكل لحظة استقبال حضرة نبينا صلى الله عليه وسلم وأنبياء الله على أطهر وأنظف ما كان عليه طوال قرون خمسة. كان الكم الهائل من النفايات قد أزيل ليكشف عن الصعيد الطاهر لفترة وجيزة يصلي عليها خير خلق الله.
لم تنته الحكاية هنا. في عام 628 م، حقق هرقل نصرًا معجزًأ على الساسانيين، مستعيدًأ بلاد الشام. بدأت القصة التي تعكس حال الأرض وقتها بأن اعترض هرقل العاقل رسولًا من خسرو الثاني (كسرى) يأمر نائب شهربرز قائده العسكري الفذ الذي أرعب هرقل ذاته بقتله، أصابت الغيرة والحمق نفس كسرى، واستغل هرقل حماقات غريمه (ألا يذكرك هذان الزعيمين للعالم بزعيمي العالم المعاصرين؟) وراسل شهربرز وأقنعه بأن يحيد قواته في معركة هرقل مع كسرى، فتحقق وعد الله للمسلمين وغلب الروم الفرس في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد وفرح المؤمنون أتباع النبي العدنان يومها وهم يقهرون يهود خيبر كذلك ويمكن لهم ربهم في الأرض تمكينًا.
دخل هرقل القدس غازيًا في زي أرجواني مزركش عام 630م في ذروة انتصار بيزنطة على فارس. دخل المدينة حاملًا صليبًا على كتفيه زعم بأنه الحقيقي -ولا نعلم هل كان يكذب أم أنه استعان بحليفه شهربرز (الذي وصل لأن نصب نفسه شاهنشاه على فارس وقتها) لاسترداده من المدائن. وبالرغم من كونه قد وعد اليهود بألا يقتلهم لكن البطريرك صفرونيوس ومسيحيو المدينة رفضوا وعده وأغروه بإخلافه فأحدث في اليهود مقتلة عظيمة، ثم أعاد سياسة الرومان الأولى وأعادوا إلقاء القمامة بحماسة مضاعفة في بيت المقدس، وقد قيل أنهم في هذه الفترة جمعوا القمامة من كل مكبات المدينة وأعادوا رميها لدفن الصخرة من جديد تحت أكوام من النفايات.
وكما تعلم، لم يدم انتصار البيزنطيين طويلًا. فقد أدى الاستنزاف المالي والديموغرافي الذي خلفته الحرب العظمى إلى جعل الإمبراطورية مجرد هيكل أجوف. وفي أغسس من عام 636، حطم جيش سيف الله المسلول الوجود العسكري البيزنطي في بلاد الشام في وادي اليرموك، وأصبح سقوط القدس في يد جند الله حتمًا كما هو كذلك إلى يوم القيامة، والعاقبة للمتقين.
وفي وقت ما بين عامي 637-638م، دخل خليفة رسول الله والرجل الذي يصفه أتباعه بأنه يعمل فيهم عمل النبي الملهم عمر بيت المقدس. دخل ماشيًا برفقة خادم واحد كان نصيبه أن يدخل بيت المقدس راكبًا وأميره ماشٍ. دخل عمر بعباءة مرقعة، وعندها رآه البطريرك صفرونيوس بكى لأنه عرفه من أوصافه الفاتح الذي ستسقط المدينة أمامه.
رفض عمر الصلاة في كنيسة القيامة، ومشى في المدينة يقول “صدق رسول الله” يستذكر وصف رسول الله للمدينة يوم كذبه قومه. وراعه أن وجد الأقصى يرزح تحت القاذورات حتى تصف الروايات أنه خلع ملابسه وجثا على ركبتيه وجمع الروث والأنقاض في بردته وحملها إلى وادي هنوم خارج المدينة.
بردة الخليفة -رمز السلطة- حملت نفايات البيزنطيين، لا توقيرًا لهؤلاء المناجيس، ولكن للتأكيد على استبدال القرون الخمسة الماضية من إهانة المقدسات عن السهل الطاهر. حذا جنود الخليفة حذو إمامهم، ونظفوا الحرم الشريف.
اقترح الحاخام السابق والصحابي الجليل كعب الأحبار على عمر بن الخطاب بناء مسجده شمال صخرة المعراج (عكس القبلة) ليتوجه المسلمون نحو صخرة المعراج ومكة المكرمة في ذات الوقت -قبلة المسلمين واليهود معًا- فرفض عمر وبنى مصلىً خشبيًا متواضعًا على الجانب الجنوبي من الصخرة، موجهًا نحو القبلة، فكان مسجد عمر.
في 2026 أغلق أنجس خلق الله المسجد لمدة 40 يومًا وباشروا التقسيم الزماني والمكاني، واقتحم الخنزير البشري المدعو بن غفير المسجد مرارًا. ونسأل الله أن يمكننا مما مكن منه عبده عمر -رضي الله عنه.
من وحي محاضرة م/ أحمد عمر حول عمران المسجد الأقصى في أكاديمية قرطبة


