إن التفكير في رفض “التضحية” من جهة المنهج في العصر الحديث لا يتجلى بوضوح بقدر ما يتجلى في إطار العقلانية الليبرالية.
تعطي هذه الفلسفة الأولوية للمصلحة .. لتجنب المخاطر .. لحقوق الفرد ..
في السياق العربي تحولت هذا العقلانية إلى ثقافة للحياة ذاتها، استخدمها الساسة منذ 2001 لقسمة الشعوب بين “محبي الحياة” و”أعداء الحياة ذاتها”.
يتم تصوير عدو الحياة دائمًا في صورة الإرهابي القاتل المعتدي على “الآمنين” الذين نالوا أمانهم بترويع شعوب هذه المنطقة .. من الجميل والحسن أن يساعدنا هذا “الإرهابي” على أن نتصوره هكذا بآراء “رجعية” تجاه المرأة أو الزي أو العري. أما إن كان لا يساعدنا على هذا، وهيئته هيئة أفندي يرتدي القميص والبنطال ويرقص بالتعقيب في حفل زفافه -كما تروي الروايات حول أبي إبراهيم- .. فالحل البديل هو نعته بالجنون.
أما، “محب الحياة” فهو بالتأكيد إنسان ثري ثراءً لا يسمح الترقي الاجتماعي في الوطن العربي لأكثر من 90% من سكانه بأن يتخيلوه حتى، شخص منطلق، عنده فضل وقت كثير جدًا لن يجوع إن أنفقه في الفن، أو اللعب، أو صحبة الفتيات. أما في الحياة العملية فهو بالتأكيد شخص ناجح معتدل القوام يرتدي بدلة مفرطة الوسامة.
إن الشخص “محب الحياة” الذي قدمه إعلام العدو في ربع القرن الماضي هو أقرب ما يكون اليوم إلى نموذج “رائد الأعمال” الضيف الدائم للبودكاستات للحديث عن البيزنيس من 9 إلى 5 مساءًا، والمواطن المستهلك الذي يدور في المولات من 5 مساءًا إلى منتصف الليل. فهذه هي الأشكال التي تعرف الشخص محب الحياة حصرًا. ومن هنا سيكون “المقاوم” و”الثائر” و”الغاضب” و”المحبط” هو بطبيعة الحال شخص غير عقلاني .. شخص “مجنون”.
الأول ينخرط في عجلة تخدم الرأسمالية .. يعبدها بالنهار وصلاته في عبادته تلك بالاجتماعات والجداول، ويقوم الليل عابدا لها بإنفاق ماله على خدمة هذا الاقتصاد وإثرائه.
هكذا تحولت في أدمغتنا الأنانية والفردانية إلى “مواطنة” و”ريادة أعمال”. وتحولت النفعية وتجنب المخاطر إلى “ثقافة حب الحياة”. وتحولت المواطنة إلى هوية طائفية أو وطنية يأمن حاملها من غضب الرأسمالية. وبالتأكيد ستتحول التضحية إلى عدمية ونيهيلستية، وسيتحول الاستشهاد إلى إرهاب ثقافي.
في هذا السياق يا عزيزي القارئ ستفهم نعت أبي إبراهيم تحديدًا بالجنون، الرجل الذي رفض أن ينخرط في النظام العالمي الذي يظلمه ببساطة.
لكنك لن تفهمه هو فحسب ..
ستفهم كل الغضب الذي طال حركات المقاطعة مثلًا في بلدك الأم البعيدة عن الحرب ذاتها، المقاطعة بالنسبة لهؤلاء نوع من “الإرهاب الثقافي” والاصطفاف مع “أعداء الحياة” في مقابل الصهيوني الذي هو بطبيعة الحال يريد التجارة والتطبيع والحياة الحرة في نظر الجميع. ولو لم يكن الصهيوني هو “محب الحياة” الذي يتصوره جارك الذي ينظر لك بضيق أو حنق حين ترفض اجتراع الماء من قنينة شركة تمول الإبادة، فبالتأكيد سيكون رجل ذو بدلة أنيقة يحالف الصهاينة سرًا أو علنًا ويبيعهم أو يبتاع منهم، يعرفه جارك ولكنه يدعي أنه لا يعرف ذلك حتى لا يهدد “حياته”.
إن تنفس الفلسطينيين ذاته في حالتنا هذه هو نوع من “كراهية الحياة” في الثفافة البرجوازية .. الفلسطيني و”استشهاديته” تهدد صناعة السينما .. يهدد الإعلانات عن المنتجات .. يهددون رعايات الأهلي والزمالك .. يهددون استمرار مسابقات الدوري العام .. يهددون جلسات المقاهي .. يهددون حياتنا التي رضينا فيها بالزرع وتبايعنا بالعينة.
إن عدوان الفلسطيني وقضيته وقادته على أمانك النفسي هنا لا يتحقق بكونهم استشهاديين .. خدعوك فقالوا أن جنون السنوار كان لأنه قام بعملية السابع. بل لأن محض وجوده كشخص يرفض الواقع الذي يظلمه، يزعجك لأنك رضيت واقعك. عدو الحياة في هذا السياق هو عدو سلامك النفسي.
في عام 2006 قام مجموعة من سجناء غوانتانامو بالانتحار .. قام مسئول عشسكري أمريكي بشرح سبب أفعالهم هذه .. شرح لماذا قام شخص تم احتجازه ضد القانون الدولي وتعذيبه بلا نهاية بالانتحار .. فقال ببساطة “لأنهم لا يبالون بحياة البشر، لا حياة البشر ولا حياتهم. أعتقد أن هذا لم يكن فعل يأس بل عمل حرب غير متكافئة ضدنا”.
حتى انتحار شخص تم احتجازه وتعذيبه هو عمل ضد الولايات المتحدة. هؤلاء الأشخاص المحتجزين في سجن -وكما تعرف فغزة هي مجرد سجن مفتوح- مبرمجين على “ثقافة الموت”.
بالتأكيد مضى عهد جورج بوش الابن عن الولايات المتحدة اليوم ومواطنوها ذاتهم يقومون بالتصويت لخصومه في كل استحقاق ولو كانوا عربًا مسلمين. لكن جرثومة الفكر الأمريكي الذي هو عقلاني ليبرالي بالتعريف وبرجوازي أحمق بالتعريف الأقل تفلسفًا الأكثر دقة لا زالت مزروعة في الفضاء العربي الإسلامي.
توقفت أمريكا عن وسم الأشخاص بالإرهاب، ولكنها لم تلبث أن تتوقف حتى تلقفت وسائل الإعلام العربية في وصف المحتجين والنشطاء والمقاومين بالإرهاب. السعودية تخوض حربًا على إرهاب المطالبين بإصلاحات ديموقراطية. سوريا الأسد خاضت حربًا ضد الإرهاب قتلت فيها ما دون المليون بقليل. حتى لبنان في الحقبة الطائفية خاضت حربها ضد الإرهاب. إسرائيل صديقة هذه الأنظمة جميعًا تصف حركة المقاطعة BDS التي يقودها مجموعة من الشباب الواعد ومنهم نسبة لا بأس بها تدعم المثلية وعمليات تغيير الجنس، تصفهم بالإرهابيين وكارهي الحياة
كل العالم العربي تم تقسيمه بين محبي الحياة ومبغضيها الإرهابيين الواجب إبادتهم. كل مسلمي العالم تم تقسيمهم بين “مسلم جيد” و”مسلم سيء. الأكاديمي الذي لفت الانتباه إلى هذه القسمة بالمناسبة هو رجل اسمه محمود ممداني يشغل ولده اليوم منصب العمدة في مدينة الامم المتحدة.
ستستمر الانتفاضات المناهضة للصهيونية في كل بقاع العالم الحر، كاره الحياة البرجوازية المصنوعة أمريكيًا في رأيي


