في ربيع 2011، وجد ميدان التحرير صوته في حنجرة متحشرجة مع أوتار خام غير مصقولة لشاب اسمه "أمير عيد" في أغنية "صوت الحرية". الأغنية تحولت إلى أيقونة شعبية، بل إلى أكثر .. أداة سمعية للتعبئة الجماهيرية. حالة من الانقطاع الصوتي في الوضع الاستبدادي الراهن، حالة تؤكد على فعالية جماعية لجيل جديد ومسيس من الشباب. كان مسرح الغناء بسيط، هنا والآن، مع جيتار وميكروفون، بشكل غير سلعي. كان المغني شابًا والجمهور ناشطًا على وشك أن يصطدم بأعنف تحولات حياته.
بعد عقد من الزمان انقلب السحر والساحر. نفس الشخصيات تؤدي عروضها تحت أضواء عالية الكثافة في موسم الرياض، يؤدون أغاني تم اختيارها بعناية على مسرح أبو بكر سالم في السعودية، تحت رعاية مباشرة من أهم جهة حكومية، الهبئة العامة السعودية للترفيه. لقد استسلم صوت ميدان التحرير للعروض الترفيهية التي تديرها الشركات، أصبح ذات الصوت المتحشرج يقدم من حين لآخر تعبيرات عن الامتنان لمسئولي الدولة التي حاربت الميدان.
كيف تحولت موسيقا صحوة جيل سياسي إلى موسيقا مربحة ترعاها الشركات تقدم للناس الاكتئاب والحزن ولا شيء غيره؟ هل كان التحول انتقالًا من مساحة الأندرجراوند وتطور تجاري طبيعي أو نضج فني؟ لا، بل هو تسليع مفرط يحول الهزيمة السياسية إلى أرباح، يظهر الحزن، ويدمج الصوت المتحشرج الشباب في عصر ما بعد السياسة، عصر الاستهلاك الرأسمالي والاستقرار السلطوي.
الاقتصاد السياسي للكآبة التجارية
يتمحور فن كايروكي حول ما يعرف باسم commercialized melanocholia .. الكآبة التجارية.
يبيع شكلًا من أشكال الأصالة الرومانسية المتعالية على النقد الوجيه الذي يراها تؤدي إلى الوقوع في حلقة مفرغة ومدمرة من اجترار الأحزان تحت ستار نوع من الإنجاز الجمالي.
يؤكد الاغترار بالنجاح الرقمي لهذا اللون من الفنون واعتباره نافعًا ومفيدًا وثوريًا شكلًا من أشكال مغالطة الشرعنة الشعبوية .. ما لاقى رواجًا ونجاحًا شعبيًا هو بالضرورة صالح ونافع ومفيد
وفي الحقيقة أن تجاوز هذه الدفاعات المراهقة عن منتج استهلاكي إعلامي يضعنا أمام الحقيقة.
والحقيقة أننا أمام سلعة مستهلكة تجمع بين القنوط والتطهير الهيكلي. وأن ألبومات كايروكي المبدوءة بشكر ترك آل الشيخ في عشرينيات القرن الحالي لا تختلف كثيرًا عن أفلام عادل إمام مع وحيد حامد وشريف عرفة في تسعينيات القرن الماضي.
التطهير أو Catharsis هو استعراض فني أو خطابي يجرد كل الدوافع التي تحض على فعل التغيير.
يجردها بالمعنيين، يعرضها للمشاهد أو المستهلك مجردة واضحة جدًا في شكل يغريك بأن تصفها بالجرأة -كما تفعل اليوم مع فيلم الإرهاب والكباب-
ويجردها كذلك بمعنى أنه ينزع تسليحها، ويوقف قدرتها على أن تحملك على التغيير، وتجمد فعاليتك في الحرية.
تمثل هذه الأعمال الفنية لقاحات ضد الثورة، لا ثورة ..
لأن تجريد الحزن والكآبة هنا يجعلك تحب معاناتك وتعيشها كسيزيف، تؤكد على الركود الوجودي، الذي بدوره يخدم مصالح صناع الفنون بإعطائهم معينًا من المنتجات الفنية لا تنضب.
إن التعامل مع نسخة كايروكي من اليأس .. اليأس المسوق والمبيع، يخفي كيف تستفيد العلامات التجارية من "الحزن"، ما يصرف الانتباه عن الانهيار الهيكلي والركود الاجتماعي من خلال استمناء عاطفي مبرمج.
قلب السحر على الساحر .. كيف يخفق محبو هذا الفن في الدفاع عنه؟
تتمحور دفاعات محبي هذا النوع من الفنون على أشكال من المصادرة على كل نقد يوجه إليها.
فمثلًا يصادرون على تقييم الفن اجتماعيًا أو نفسيًا لكونه فنًا فقط، والفن كما تعلمون هو دائمًا للفن ولا يمكن تقييمه.
والحق أن هذه الرؤية الذاتية تفرط في الرومانسية بشكل مثير للشفقة، وتعطي الأولوية للتجارب العاطفية الذاتية على حساب الملاحظات الاجتماعية. بالنسبة لهؤلاء على المعاناة الإنسانية أن تظل غامضة ضمن إطار فني، فالفن يمكننا من الاستمتاع بالاغتصاب. بدلًا من محاولات النقد أن يستنقذنا منه بمقاومته.
لا يمثل الفن عند المدافعين عن هذه الألوان إلا نوعًا من الأرشفة للتجارب الإنسانية. ولكن حتى هذه الأرشفة حينما يتم عرضها في فيلم قصير على فلتر ريترو عتيق وقصات شعر تسعيناتية، تظل سلعًا يتم تقديمها عبر منصات البث الإلكتروني، ولا تفعل شيئًا سوى التشويه للنوستالجيا النقية.
للموسيقى ولا شك تأثيرات على الحالة النفسية للإنسان، وهذا الزعم ليس ابنًا لتصورات سلفية عندي تحاول تحريمها، بقدر ما هو احترام للأبحاث النفسية المتعلقة بهذا الأثر. إن تجريد أو تطهير المشاعر السلبية لا يقود إلى أي شكل من التعافي، بل إنه يزيد الانغماس فيها دون توجيه ويعمق الضغط على عالم الأفكار.
بالتأكيد للاستماع إلى الموسيقى الحزينة قدرة على تخفيف المشاعر السلبية وتحفيز التكيف. لكنها ولا شك تساهم في تعميق الاضطرابات النفسية عن المصابين بميول اكتئابية أو سلبية قبل الاستماع.
لأن الأشخاص الذين يميلون إلى التفكير السلبي يظلون عالقين في حلقات مفرغة من التفاعل العاطفي الذاتي تزيد من ضغوطهم النفسية وتحفز انسحابهم من المجتمع.
وهذا ما يخلفه هذا النوع من الفنون، نسخ مشوهة من عزب شديد في الفيلم.
الحزن المنتج والحزن الرأسمالي .. أرسطو ونيتشة وأدورنو وبيونج تشول
يشير ثيودور أدورنو إلى أن موسيقى البوب الحزينة عملت كبديل أيديولوجي عن السعادة في عصر الرأسمالية، لأنها تساعد على تقبل المرء للمعاناة؛ بدلًا من تحفيزه على التفكير النقدي.
إن نوع الفنون الشعبية الحقيقية التي يمكن وصفها بتحفيز الثورة هي ما يقدمه فنان مهدور حقه كياسر المناوهلي مثلًا، والذي بطبيعة الحال يستحيل أن يشكر ترك آل الشيخ.
في الوقت الذي يساهم التطهير الشعوري عند أرسطو بالتخلص من مشاعر الشفقة والخوف من خلال خلق مسافة جمالية بين الإنسان وبين هذه المشاعر، ويساهم التفاؤل المأسوي عند نيتشة في تحويل الألم إلى طاقة حيوية. فإن ما يقدمه كايروكي لا إلى هذا ولا إلى هذا .. بل هو محض اجترار سلبي ومتكرر على أعراض وأسباب الضيق النفسي.
وفي الوقت الذي يساهم الأول في إعادة ضبط المشاعر وإصلاح الوضع من خلال مشاركة نشطة فيما يصفه أرسطو بـ "الدراما الإنسانية العالمية"، ويؤكد فيه الثاني على قيمة الحياة البطولية رغم كل السخافات وآفات الوجود فيها. يستهلك هذا النوع من الفنون الحالات الاكتئابية المطولة استهلاكًا سلبيًا لمنتجات معدة مسبقًا للتعبير عن الحزن.
هناك فنون حزينة تحملك على الاندماج في النسيج الاجتماعي، أو على تجاوز الانحطاط الأخلاقي للطبقة البرجوازية. وهناك فنون مشوهة تجعلك تجتر آلامك حتى تشعر بالاغتراب عن العالم من حولك.
يرى بيونغ-تشول هان في كتابه مجتمع الاحتراق الذاتي أن الشعور بالإرهاق والعذاب النفسي ليسا مظهرين من مظاهر التمرد الفني، بل هما على الحقيقة علامتان على استغلال الإنسان من قبل النظام الرأسمالي في عصرنا من عرصنا؛ فالأشخاص الذين يعانون من الاحتراق الذاتي يعتبرون أن السبب الحقيقي لمشاكلهم عيوب شخصية لا خللًا في النظام الاجتماعي.
الخاتمة
إن مفهوم الحزن التجاري يتطلب نوعًا من التنظير لا أحسنه.
لا أحسنه لأني ساخط وغاضب، ولا أحسنه لأني لا أحسن دمج التقاليد النظرية.
أنا فقط أعرف بعض أمور بسيطة. منها، أنه عندما يتم حرمان الإنسان -أو الحيوان والله- من الألم لسبب أخلاقي، ومن الألم داخل إطار اجتماعي أو هيكلي. فإن هذا الإنسان يتحول إلى قوة مدمرة تفكك المجتمع لا تحركه.
الانفجار قادم لا محالة، إما أن يكون للخارج لكي تعلن للعالم أنك تنفجر، وإما أن يكون للداخل. بالتأكيد دواعي الاكتئاب كبيرة، بل هي مرعبة. وبالتأكيد الغناء لها مغري.
لكن لا تنسوا .. أن "رعب أكبر من هذا سوف يجيء". لن ينحيكم أن تعتصموا منه بأعالي جبال السوبرنوفا أو ببطون غابات روما وكوستاريكا. لن ينجيكم أن تلتصقوا بجدران الساموراي أو أن تتحولوا إلى عزب شديد المكتئب.
لن ينجيكم أن تندمجوا .. أو تندمغوا .. أو تسمعوا تراك حزين حتى تتكون من أجسادكم المتراقصة كومة قاذورات
فانفجروا أو موتوا ..
صلاح عبد الصبور بتصرف
في النهاية، لا يمكن لأحد أن يزايد على حزنك يا صديقي، لكنك الوحيد الذي يمكنه الاختيار إما أن يجعل حزنه مسببًا للتغيير، أو أن يجعله رصيدًا يزيد في حساب مليونير اغتنى على مداعبة هذه الأحزان وتفريغها عن طريق الاستمناء العاطفي. والقرار لك، إما أن تخلق تمردك أو أن تشتريه جاهزًا منزوع الدسم من هذا العيل الصدغ


