متلازمة كربلاء
عندما سرق المرجئة سيف النبي!
ينتج المشهد المعاصر الذي يتمحض للمعاناة والألم شكلًا غريبًا وحداثيًا جدًا من الخمول الفكري والأخلاقي. هذا الخمول يظهر مثلًا في الإفساد المنظم للواجب الأخلاقي تجاه كل أزمة إنسانية معاصرة بآراء انسحابية مضللة هي عين ما يصفه الأستاذ مالك بن نبي بالأفكار المميتةـ أو في إعادة قراءة كل ثائر وصاحب كلمة حق باعتبار أنه مرض اجتماعي، عرابي في 1882 أو عبد الناصر في 1967.
ثمة نمط فكري مميز وواضح يظهر في عالمنا، فقط عندما يواجه الواحد منا ثقل أن يدرك ويستوعب أنه مقموع. الأمر يتجاوز بطبيعة الحال متلازمة ستوكهولم الشهيرة، أظنه أليق أن يوصف وصفًا يتناسب مع الأحداث الجارية، ما رأيكم في اسم متلازمة كربلاء إذن؟
تظهر هذه السلوكيات في رأيي كردة فعل دفاعية، لا تكتفي بالتوصية بالحذر من الوقوع في الخطر، بل تنتقد بشكل مباشر أي مقاومة أخلاقية بذريعة أنها خطأ استراتيجي أو تهور غير مسئول في اللحظة التي تتحول فيها إلى مأساة مادية.
يمكن وصف متلازمة كربلاء بأنها حالة إدراكية تعيد تقييم صحة الفعل الأخلاقي بناءً على نتائجه المادية وحدها. مأساة الشهداء الأبرار من آل بيت سيدنا محمد تحولت إلى قصة “آدي جزات اللي ميشربش اللبن” . لا تكتفي متلازمة كربلاء بتقييد الخيال ووأد الطموح، بل تظهر مستغلة ذكرى سبط رسول الله عليه السلام لتقويض الإرادة السياسية لأمته صلى الله عليه وعلى آله بالكامل. هم لا يكتفون بالقولة القبيحة لابن العربي أن “الحسين قُتِل بسيف جده” بل هم لا زالوا بعلم أو جهل يمسكون بسيف هذا الجد العدنان ليذبحوا به أمة المليارين يوميًا بخطابات شرعية فاسدة، لا حقًا نصرت ولا أمنًا حققت.
هذا الاستيلاء على ما يُعرف في أدبيات العلوم السياسية بـ اللاهوت السياسي وهو وصف أقرب ما يكون إلى الفهم المعاصر لكلمة العقيدة باعتبارها العملي. هذا الاستيلاء على اللاهوت/العقيدة بتبني مفهوم Political Quietism الانسحاب/الإرجاء السياسي قد تمت إعادة صياغته حديثًا باعتباره نوعًا من المحافظة الدينية أو السلفية، وإن كان على الحقيقة ليس قراءة طبيعية أو موضوعية للتاريخ الإسلامي. بل هو -بكل ما تعنيه الكلمة- أيديولوجيا للملك العاض والملك الجبري تم إنتاجها بشكل ممنهج من قبل السلالات الحاكمة، بهدف ترسيخ استبداد الدولة وتطويق الأخلاق الثائرة التي احتواها أول ما احتواها النموذج النبوي ذاته.
فإجابة اليوم على سؤال الأمس: لماذا لا زال جرح كربلاء ينزف؟ ولماذا لا زلنا نتجادل في دماء سُفكَت من 14 قرن؟ لأنها لا تزال تٌسفَك، لا زال الحسين يٌقتَل بسيف سرقه الأمويون من جده، لا يزال 22 يزيد يعصفون بأمة المليارين حسين. وتكون ساذجًا يا صديقي إن ظننت أن الحسين في جدالات القوم هو الحسين السبط، أو أن يزيد في كلامهم هو يزيد بن معاوية.
إنى رأيت اليوم .. الصورة من برا .. وقلت الحسين لسه .. هيموت كمان مرة
إنى رأيت اليوم فيما الثائر .. إن الحسين ملموم فوق جثته عساكر .. بيدغدغوه بالشوم كل أمَا يجى يقوم
وإن البشر واقفه تبكى بدال ماتحوش .. وإن العلم مصفاة م السونكى والخرطوش .. وإن الطريق مفروش بالدم للآخر
إنى رأيت اليوم .. الدم عَ الآيش .. وإن الحسين إحنا .. مهما إتقتل .. عايش
مصطفى إبراهيم
الإرجاء: الأب الروحي للخضوع والابن المدلل للاستبداد
في القرن الأول الإسلامي وفي القلب من الحروب الداخلية التي وُصِفَت في السياق التاريخي بـالفتن انكسر التوافق السياسي الذي خلقته دولة المسلمين الناشئة. وفي ظل اختلال هذا الاستقرار ظهرت الطوائل السياسية الثلاثة. الخوارج، أنصار الانتفاض المسلح وعدم التسامح الديني الشديد مع مرتكب الكبيرة، والشيعة الأوائل الذي اجتمعوا على الحق المطلق لآل بيت النبي رضوان الله عليهم. وجماهير المسلمين العامة الذين لم يميلوا لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، وانقادوا لحكم الأمر الواقع وما عُرِفَ لاحقًا بجماعة المسلمين.
في داخل هذه الجماعات المنعزلة للصراع وغير القادرة على حمل لواء الثورة نشأ تيار استغل صمتهم الطبيعي -باعتبارهم ليسوا ثوارًا- ليسبغ عليه تفسيرًا دينيًا هو الإرجاء أي تأجيل إصدار الأحكام بإيمان وفسق المرء، والأهم من ذلك تأجيل الحكم على شرعية الحاكم إلى يوم القيامة. في البداية مثل الإرجاء محاولة للحفاظ على تماسك المجتمع ومنع الصراعات الداخلية، لكن بني أمية استغلوا هذا المذهب كأداة فعالة في إدارة شئون الحكم.
ومن خلال فصل الإيمان عن العمل، قدم المرجئة درعًا عقديًا للمتكالبين على السلطة من لدن بني أمية وإلى اليوم. أصبح لولي الأمر أن ينتهك الفريضة المحكمة والسنة المتبعة، وأن يعدم الأبرار الأطهار بمنع الماء عنهم في جوف الصحراء، وأن يأكل من بيت مال المسلمين، ويظل يوصف بـالإيمان بعدها، وتظل طاعته واجبًا دينيًا مطلقًا. واجب ينافس الواجب النبوي الأصلي الذي ينادي بفعل الخير وترك الشرك، وكل ذلك تحت ذرائع حفظ الأمن وخلافه.
على مر القرون، نجحت هذه العقيدة الإمبراطورية في تحويل الاستسلام المؤقت الذي اضطر له المسلمون الأوائل إلى مبدأ ثابت لا يتغير. وتم اعتبار أي مقاومة للطغيان تهديد لجوهر الإيمان ذاته. وخرقًا لأصل من أصول السنة كما تقول سلفية اليوم.
لصديقي العزيز Omar AbdullNasser مقالة عن رؤيته للحسين عليه السلام أحبها وأحب إحالتكم عليها




