لماذا ينعتونه بالجنون؟ مقاربة فلسفية 2
الوجودية العربية والتأسيس الفلسفي للمقاومة الفلسطينية
في منتصف القرن العشرين، وتحديدًا في عام 1944 قام الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي بمناقشة أطروحته للدكتوراة حول “الزمان الوجودي” وأعلن مناقشه في الجامعة عميد الأدب العربي د. طه حسين عن ميلاد الفلسفة العربية الحديثة.
تلقى بدوي تكوينه الفلسفي على يد الفيلسوف الروسي المهاجر ألكسندر كويريه في جامعة فؤاد الأول بالقاهرة، ومنه استفاد أفكار التقاليد الوجودية والفينومينولوجية للفلسفة التي كان أبرز منظروها مارتن هايدجر وجان بول سارتر.
تبنى بدوي المفاهيم الأساسية لهايدجر، منها على سبيل المثال مفهوم Dasein الوجود في العالم، وعربه بلفظة عربية هي “الآنية”. حاول بدوي توليف الوجودية الغربية مع التصوف الإسلامي عبر تحديث عرفان “الإنسان الكامل” الصوفي، معتبرً إياه برزخًا وجوديًا بين الوجوب والإمكان.
ما علاقة عبد الرحمن بدوي ووجوديته، بيحيى السنوار ونعته بالجنون لاستشهاديته؟ هل أنا دخلت مقالًا خاطئًا؟ والإجابة تجدها في السطور التالية.
في عام 1953 في بيروت أسس اللبناني سهيل إدريس مجلة الآداب، وقدم فلسفة وجودية جديدة تتجاوز ما قدمه بدوي مما يصفه إدريس بأنه “مغرق في الفردانية” من جهة وفي “التنظير الأكاديمي” من جهة أخرى، مما يجعله “حبرًا على ورق” يفتقد الفعالية على مستوى الإجراء والسياسة الواقعيين.
ركز إدريس وجيله من من الوجوديين العرب على الجانبين الإجرائي والسياسي للوجودية، متجاهلين المتون الفلسفية المعقدة لسارتر كإنجيل الوجوديين “الوجود والعدم” لصالح الروايات والمسرحيات. وتبنى الجيل الجديد كذلك مفهوم “الالتزام” وهو ما اعتبروه المقابل العربي لمفهوم Engagement السارتري، يعتبر الوجوديون اللبنانيون الالتزام ضرورة أخلاقية تنظر إلى الكتابة والتأليف بوصفهما فعلًا سياسيًا ومسئولية اجتماعية، تخلى عنهم أقرانهم المصريين لصالح الانغلاق الأكاديمي الضيق.
ومن قلب هذا الصراع بين الوجودين (المصري واللبناني) والجيلين (طه وإدريس) والمجلتين (الرسالة والآداب)، حدثت المناظرة الأبرز في عام 1955 بين طه حسين ورئيف خوري، والتي انتهت -حسب سرد الحاضرين- بانتصار ساحق للبناني على عميد الأدب العربي المصري.
الحقيقة، أن مدرسة الوجودية المصرية لم تسلم كذلك من النقد داخل القطر المصري من الماركسيين المصريين هذه المرة (محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس) في كتابهما الصادم “في الثقافة المصرية” في عام 1955، إذ شنا هجومًا ضاريًأ على الفردانية الوجودية باعتبارها فلسفة برجوازية تعزل الفرد عن مسئوليته الاجتماعية، وتغترب عن الحقائق السوسيو-اقتصادية الموضوعية.
لاحقًا، في الستينات أتت الضربة القاضية لتيار الوجودية المصري على يد أبي الوجودية نفسه سارتر حين نشر كتابه نقد العقل الجدلي Critique de la raison dialectique والذي دمج فيه بين الوجودية والماركسية، مما سمح بحدوث التقارب والتحالف الفكري بين الجناحين الوجودي الاجتماعي اللبناني والماركسي المصري في العالم الثالث.
ومن قلب هذه المدرسة الجديدة “الوجودية الماركسية” ظهرت التشريحات النقدية للشعوب العربية وتجلت في فضاءات ثلاثة
الأول نقد المشهد الثقافي العراقي الصاخب في الستينيات، والثاني الاتجاه النسوي الوجودي المتمرد الذي ظهر في رواية ليلى بعلبكي “أنا أحيا”، أما الثالث فتمحض في القضية الوجودية الأهم في الفضاء العربي والإسلامي .. في القضية الفلسطينية.
يظهر هذا التوجه بطبيعة الحال في كتابات الأديب الفلسطيني غسان كنفاني وروايته الأشهر “رجال في الشمس” التي تظهر فيها بوضوح أبعاد الفلسفة الوجودية والفينومينولوجية الساعية لتعرية الأزمة الفلسطينية، بموت اللاجئين الثلاثة داخل خزان المياه في الصحراء دون أي مقاومة أو دون “قرع جدران الخزان” أحدث كنفاني الصدمة الأنطولوجية الأهم التي تقوم بتعرية الشعور بالعجز والوعي بالعدم والضياع.
لم يدع كنفاني للمقاومة، لكن سؤال سائق الشاحنة الساذج الذي يجعلك تستشيط غضبًا عن عدم طرق قتلاه الثلاثة من اللاجئين على جدران الخزان كان أكثر من كافي ليفعل. ومنذ طرح هذا السؤال ولا يزال المقاومون من لدن كنفاني نفسه نزولًا من مناضلي اليسار الفلسطيني إلى مقاومي فتح يوم حملت البندقية صعودًا إلى الياسين والعياش انتهاءً بالسنوار والضيف، وحتى الحداد بالأمس يطرقون على جدار الخزان، ولا يزال الناعتون ينعتونهم في كل عصر بالجنون.
لا تنتهي القصة هكذا بالطبع، فكما يعلم القارئ -أو لا يعلم- فإن جان بول سارتر ورفيقته سيون دي بوفوار بعد أن زارا مصر في فبراير 1967 وسط احتفاء ثقافي عظيم ومقابلات مع عبد الناصر (الدولة المقاومة) ومحمود أمين العالم (المثقف اليساري)، حاول المثقفون انتزاع موقف واضح من مثلهم الأعلى سارتر يدين الإمبريالية الصهيونية وينحاز للقضية الفلسطينية، لكنه تهرب.
وفي عشية النكسة، وقع سارتر على بيان فرنسي يدعم إسرائيل بقوة ويدين “الاعتداء العربي”. مما سيشكل صدمة حضارية لكل المثقفين العرب -يمكنك إن شئت مراجعة موقف إدوارد سعيد من هذا السلوك المنحط من سارتر- خاصةً وأن كتابه المفسر لشق كبير من موقفه “تأملات في المسألة اليهودية” لم يكن مترجمًا إلى العربية حينها ليستوعب العرب الخلفية الفلسفية لموقفه.
فهل ماتت الوجودية العربية بالموت الأخلاقي لسارتر؟ نناقش هذا في مقال لاحق.






