تشكل مفهوم “المدينة الإسلامية” في الأكاديميا الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، على يد حزمة من المستشرقين. أبرزهم الفرنسيان ويليام وجورج مارسيه، بالإضافة إلى جان سوفاجيه، وج. إ. فون جورنباوم.
قامت هذه المفاهيم على فكرة رئيسة أن الإسلام “كدين” يحدد بشكل طبيعي بحت تصميم المدينة. وحسب هذا المفهوم فالمدينة الإسلامية المثالية لابد وأن يتوسطها مسجد جامع بالإضافة إلى سوق وبازار للبضائع. بالإضافة إلى حمام عام، وشبكة من الأزقة الضيقة والمتعرجة.
يقول ويليام مارسيه إن الإسلام في جوهره دين حضري، مشيرًا إلى أن حضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله ذاته كان -وأنا هنا أنقل وصفه كما هو وليغفر الله لي- Urbanite suspicuious of nomads .. مدنيًا يتوجس من البدو -حاشاه صلى الله عليه وعلى آله. يضيف مارسيه أن طبقة الحكم وكوادر القيادة الأولى في التوسع الإسلامي كانت من أفراد الطبقة البرجوازية في المدن في شبه الجزيرة.
وفق مفهوم مارسيه فإن المدينة الإسلامية هي المكان الوحيد الذي يمكن لها أن يقيم واجبات الدين بشكل كامل. في الوقت ذاته يشير روبرت برونشفيج إلى أن القانون العرفي -الذي طبقه القضاة لقرون عدة- هو الآلية الأساسية التي شكلت النمط المعماري الخاص بالمدينة الإسلامية.
لاحقًا، خضع هذا النموذج لتدقيق وتحليل من قبل علماء اجتماع نقدي ومؤرخين على رأسهم الأسماء التي ربما يعرفها القارئ الكريم أكثر جانيت أبو لغد ونزار الصياد. جانيت أبو لغد باحثة بارزة في مجال المدن المقارنة، وهي مؤلفة أعمال بارزة كـ”القاهرة: 1001 عام من تاريخ المدينة” (1971) و”الرباط: الفصل الحضري في المغرب” (1980).
تشير أبو لغد إلى أن النموذج التقليدي في الأكاديميا السابقة عليها هو “مرجد وهم تاريخي” historiographical myth . وجادلت بأن هذا النموذج بُني على ما أسمته إسناد السلطة المعرفية -سلسلة من الإشادات والاقتباسات المتبادلة بين شبكة من الباحثين تفتقر للتدقيق- وتعتمد على عينة صغيرة وغير ممثلة بشكل كافٍ من المدن المغربية والسورية قبل أن يأتي الغرب غازيًا.
أظهرت جانيت أبو لغد كيف أن هذا النموذج القائم على التصنيف stereotypical model يخلط بوضوح بين خصائص إقليمية اختصت بها كل حاضرة من حواضر المسلمين لاعتبارات محلية وثقافية وإقليمية بحتة وبين ما هو عام وعالمي وديني إسلامي بالأساس.
تتضمن بعض الحواضر فصلًا بين الجنسين والحفاظ على الخصوصية البصرية وقيام بعض الأسر طواعية بتنظيم أنفسها في أحياء سكنية آمنة -وهو كما تلاحظ التعريف المعاصر للعشوائيات- لا تنكر أبو لغد أن كل ما سبق يتوافق مع مبدأ أخلاقي إسلامي ما بطبيعة الحال. لكنها تصر على أن التطبيق قد اختلف من مدينة لأخرى ومن منطقة لغيرها.
من الجدير بالذكر أن أبو لغد رغم شكوكها العميقة في فكرة وجود “خصائص أساسية” للمدينة الإسلامية، إلا أنها لم تستطع أن تجحد حقيقة أن “المرء دائمًا يدرك أنه في حضرة مدينة إسلامية، الأصوات تخبره .. والروائح والألوان تفعل .. وكل الخصائص الحسية الأخرى” مما يؤكد على وجود معنى جوهري ما للمدينة الإسلامية ملحوظ و”محسوس” رغم محاولات أبو لغد إنكاره في سبيل إنكار تنظيرات المستشرقين السابقين عليها.
وبالمثل، ركزت دراسات نزار الصياد في كتابه “مدن وخلفاء“ على الأسباب التاريخية وراء نشأة ما أسماه “المستوطنات” العربية-الإسلامية المبكرة. أوضح الصياد أن مدن الحاميات (الأمصار) التي تأسست في العهد الأول للفتوح كالكوفة والبصرة والفسطاط كانت ابنة للقسمة القبلية واحتياجات الدفاع العسكري. أما تحول هذه المدن إلى عواصم إمبراطورية كدمشق وبغداد والقاهرة، فقد كان نتيجة للطموحات السياسية للخلفاء المتأخرين عن العصر الأول، وكان فاعلًا فيه استخدام العناصر الحضرية الرومانية والفارسية الموجودة مسبقًا أكثر بكثير من المعايير الدينية أو الفقهية.
هذا التحول في المنهج التحليلي حدا بالجدل حول المدن الإسلامية وما يعرف بـ”فقه العمران” أن ينتقل من الخصائص الفيزيائية لهذه الحواضر إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تؤثر على شكل المدن. وهو ما يعود بدوره إلى ذات الجدل مرة أخرى .. الجدل حول وجود وماهية ما يعرف باسم فقه العمران.
الجدل على فقه العمران
استجابةً للقيود المرتبطة بالتصنيفات الاستشراقية، ظهرت مدرسة فكرية جديدة في أواخر القرن العشرين، وكان من بين أبرز روادها د. خالد عزب وصالح الهذلول. سعت هذه المدرسة إلى تحديد جوهر المدينة الإسلامية من خلال قواعد ما يسمى بـ”فقه العمران”. هذه المدرسة ادعت من بين ما ادعته أن الشكل التنظيمي المتماسك للمدن الإسلامية التقليدية ناتج مباشر وحتمي من مبادئ تشريعية أخلاقية مستمدة من القرآن والحديث والفقه. من هذه المبادئ مبدأ “الضرر يزال”، واحترام حرمة بيت الجار الأسبق، والحفاظ على الخصوصية البصرية. بوصفها قواعد أساسية هي ما شكلت البيئة الحضرية الإسلامية عبر القرون.
لكن ما لا سبيل إلى إنكاره أن هذا النموذج النظري قد تعرض لانتقادات شديدة من معاصرين من ضمنهم معاذ لافي. لافي باحث أكاديمي وطالب دراسات عليا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة وخبير في دراسات الدولة المملوكية. شارك لافي في العديد من المشاريع البحثية مع جمعية استكشاف مصر EES كقبة الأشرف خليل وعمارة ابن طولون. وقد قدم نقدًا شديدًا لهذا النموذج النظري في محاضرته بالنادي اليوناني بالقاهرة حول الاستشراق المعماري، حيث يحدد ثلاثة أنماط محددة للاستشراق هي: التمثيلات الفنية، والدراسات الأكاديمية، والرسومات الهندسية التي تستهدف إعادة استخدام العناصر المعمارية في التصميم المعاصر.
ولدى تطبيق هذا المنهج النقدي على الفضاءات الإسلامية المبنية بالفعل، يرى لافي أن النظريات السائدة في تيار فقه العمران الإسلامي تعاني من فقر تاريخي كبير، ويؤكد على أن الباحثين المعاصرين قد ارتكبوا خطاً منهجيًا جسيمًا، باعتبارهم النص الفقهي والفتوى الدينية خططًا مسبقة الصياغة أو كتب أكواد لتنظيم التخطيط الحضري. والواقع أن هذه النصوص في الغالب جاءت في مرحلة لاحقة جدًا على هذه الأبنية، جاءت في لحظة حل النزاعات بين الحيران أو المواطنين والدولة.
يسلط لافي الضوء على عدة ظواهر تاريخية مهمة في القاهرة الإسلامية:
خلال فترة حكم السلطان المملوكي قايتباي بمعونة أميره القوي يشبك بن مهدي في عام 1477 م، قامت الدولة بحملة لـتوسيع الطرق الرئيسة في القاهرة. أثناء هذه الحملة جرى هدم الرواشن (النوافذ) والمساطب وبعض الممتلكات الوقفية حتى. وبعد أعمال الهدم التي وُصِفَت بأنها عنيفة قام علماء الفقه مثل المقدسي وابن الشهناه بصياغة مبدأ دفع الضرر العام بأثر رجعي لشرعنة أعمال الهدم هذه وإعطائها الشرعية السياسية والدينية. في حين عارض جل علماء الفقه هذه الأعمال بقيادة عمدة المؤرخين السخاوي، ووصفوا قضاة قايتباي بقضاة السوء. يرى لافي في هذا الانقسام السياسي الفقهي التاريخي بالإضافة إلى الظروف القسرية لاتخاذ هذه القرارات دليلًا على عدم معقولية استخدام النصوص القضائية باعتبارها دليل على وجود كود حضري متناغم.
وعلى الرغم من أن أحكام الشريعة تحظر البناء على الطرق أو تقليصها، كان سلاطين المماليك يخالفون هذه القاعدة بشكل مستمر لبناء معالمهم الضخمة. يمكنك رصد ذلك بسهولة في تعدي مجمع قلاوون ومدارس الظاهر برقوق على شارع المعز -الذي كان يحمل الجيوش الإسلامية كاملةً- مما أدى إلى عرقلة الممرات العامة وتقليص مساحة الجمهور.
تظهر السجلات التاريخية كالتي سجلها التاج السبكي أن موظفي بيت المال كانوا يبيعون أجزاءً من الشوارع العامة للتجار من القطاع الخاص مقابل مكاسب شخصية. وهذا دليل ثالث على أن شكل المدينة الفعلي كان ابنًا لممارسة اقتصادية وسياسية -كما هو عصرنا اليوم- أكثر مما هو ابن للالتزام الصارم بقواعد الفقه.
هذه الحقائق التاريخية وغيرها تثبت أن الشكل الظاهر للمدينة الإسلامية في العصور الوسطى لم يكن نتيجة مباشرة لفقه العمران. بل كان نتيجة لمفاوضات دقيقة micro-negotiations يومية ومستمرة بين السلطة السياسية والوضع الاقتصادي والممارسات الاجتماعية والمؤسسة الفقهية المتصدعة التي لم تكن على قلب رجل واحد. وإذا جرى تجاهل هذه الجوانب المختلفة لهذه الاحداث التاريخية، فسيكون ما يُعرَف باسم فقه العمران أداة المستبد المركزي الحديث للاستيلاء على الممتلكات وهدم الأحياء السكنية. فيكون شرعنتنا لمستبد الماضي من باب الدفع عن تراثنا، هو شرعنة لمستبد الحاضر يعطيه سلاح الشريعة -إلى جانب ما يملك- ليهدم ما تصل إليه يداه من مبانٍ خاصة وعامة، بل وبعضها يعود لذات القاهرة الإسلامية التي نضفي عليها أصباغ الاستشراق المعكوس.
أما ما يتعلق بالدكتور جميل أكبر وإطاره الحقوقي للعمران فنؤخر التعليق عليه للمقال التالي


